الأطفال والشباب هم قادة الغد. لكن، ماذا يعني هذا الشعار حين يكون الملايين من هؤلاء «القادة» عالقين اليوم في حلقة الاستغلال والعمل القسري، أو مجنّدين في نزاعات مسلحة، أو ضحايا للاتّجار، ومعرّضين بشكل دائم لثقافة لا علاقة لها بالقيم النبيلة والمبادئ السامية التي تؤسس للمجتمعات المستقرة المزدهرة، وتفتح المسار نحو مستقبل أكثر إشراقاً. فلا يمكن لأي مجتمع أن ينهض، بينما يترك أطفاله بلا حماية، فالحقيقة الأوضح التي أنتجتها تجارب الشعوب أن حماية الطفل هي الأساس الذي تُبنى عليه جميع المسارات نحو الغد.
تضعنا البيانات العالمية أمام ضرورة العمل السريع والتحرك العاجل. في عام 2024، كان 138 مليون طفل منخرطين في عمالة الأطفال. ورغم أن السنوات الماضية شهدت انخفاضاً في عدد الضحايا، إلا أن الوتيرة بطيئة إلى درجة تُعرقل الأهداف الدولية وتفقدها حيويتها. خلف هذه الأرقام، هناك قصص كثيرة، مثل أطفال يعملون قسراً في حقول الزراعة، ويحملون على أكتافهم 61% من عبء هذه الظاهرة، وآخرون في ورش الصناعة والمناجم، وفتيات صغيرات يعملن في منازل وحقول وورش بعيدة عن أسرهن ضمن ظروف غير إنسانية. وفي إفريقيا جنوب الصحراء وحدها، يعمل طفلان من بين كل ثلاثة، ومع أن النسبة تراجعت قليلًا، فإن النمو السكاني أبقى العدد الإجمالي مرتفعاً بلا تغيير.
هذا المشهد لا يتشكل بالصدفة ولا يتكون من فراغ، إنما يأتي نتيجة تضافر عوامل معروفة، مثل الفقر المزمن، والنزاعات، والكوارث المناخية، وغياب أنظمة الحماية الفعّالة. والفقر، على وجه الخصوص، يفتح الباب واسعاً للاستغلال، حيث ينزل الأطفال إلى أعماق المناجم بحثاً عن معادن تستخدم في صناعات بعيدة آلاف الكيلومترات. وفي المناطق التي دمّرتها الكوارث البيئية، يتشرد الأطفال، وتضيع معهم الضمانات التي كان يمكن أن تحميهم، فيبقون خارج نظر السياسات وأنظمة الإغاثة.
ومع أن حالة استغلال الأطفال والاتّجار بهم هي في جوهرها إنسانية، إلا أن تداعياتها كبيرة على الكثير من المجالات، بحسب المبادرة العالمية Know Violence in Childhood يكلف العنف ضد الأطفال الدول ما بين 2% و8% من ناتجها المحلي سنوياً، وهي خسارة تعادل كلفة أزمات اقتصادية أو كارثة طبيعية كبرى، وكل طفل يُستغل هو استنزاف لمستقبل المجتمع لأنه يفقد جزءاً من ثروته البشرية. ولهذا، فإن الاستثمار في حماية الأطفال والشباب لا يجب أن نضعه في دائرة الإحسان أو الأعمال الخيرية العابرة، بل يجب أن يكون قراراً سياسياً اقتصادياً ومؤسساتياً عالمياً لحماية القاعدة التي تقوم عليها أي تنمية مستدامة.
في المقابل يجب التأكيد على أن الحلول متاحة وممكنة، وهناك نماذج أثبتت فاعليتها. في أمريكا اللاتينية على سبيل المثال، دفعت حملات يقودها الشباب نحو إصلاحات تشريعية في الهجرة الآمنة. وفي جنوب آسيا، أفضت شراكات بين منظمات المجتمع المدني والحكومات إلى تراجع ملموس في عمالة الأطفال القسرية، ومن الملاحظ أن القاسم المشترك في هذه التجارب هو أنه تم التعامل مع حماية الأطفال بوصفها نظاماً دائماً وليس حملة عابرة. وهذا هو النهج الذي تتبناه «مؤسسة خالد بن سلطان القاسمي الإنسانية» التي أطلقتها قرينة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، إذ تعمل على بناء شبكات تدخل مرنة بالتعاون مع شركاء عالميين ومن المجتمعات المستهدفة، بحيث يدركون تعقيدات السياقات التي يعملون فيها، ويحوّلون القوانين من نصوص على الورق إلى حماية حقيقية على الأرض.
اليوم ننظر إلى المستقبل، بكل طموح ويقين وبكل إيمان بقدرتنا على التغيير، ومن هذا المنطلق، تضع مؤسسة خالد بن سلطان القاسمي الإنسانية حماية الأطفال في قلب رؤيتها للتنمية المستدامة وقاعدة لبناء المستقبل الذي نريد، وهذا التزام استراتيجي يحدد مسارنا القادم. فبناء الشراكات وأنظمة حماية وتصميم برامج الدعم والرعاية والتمكين، وضمان تحويل القوانين إلى ممارسات واقعية، هو ما يخلق بيئة تمكّن كل طفل من النمو في أمان، ويحوّل المستقبل من أمنية إلى واقع ويقين.