لم تكن المناظرة العلنية التي شهدتها أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة بين المرشحين لخلافة الأمين العام مجرد حدث دبلوماسي تقليدي أو استعراض لبرامج انتخابية، بل كانت في جوهرها محاولة جادة لإعادة اختبار نجوع المنصب الأعلى في العالم، في وقت تتراجع الثقة بالقدرة الأممية على كبح جماح الحروب، وإعادة الانضباط إلى مشهد دولي يسوده التفتت ومنطق القوة.
تأتي هذه المواجهة الدبلوماسية لتسلط الضوء على ثقل المهام المتراكمة أمام الشخصيات القيادية المتنافسة، في لحظة تاريخية فارقة تتجاوز التحديات الإقليمية والشكليات. فالربان القادم لدفة المنظمة لن يخوض تجربة إدارية روتينية، بل سيجد نفسه فوراً في قلب خطوط التماس الملتهبة، حيث التقاطع الحاد بين مصالح القوى الكبرى، وانفلات البؤر الصراعية. إنها مواجهة مباشرة مع تركة من الأزمات المركبة التي تتطلب قيادة استثنائية قادرة على الصمود وسط ضغوط الدول دائمة العضوية، وإدارة منظومة تترنح تحت ثقل الاختبارات المصيرية.
المعضلات الأممية الراهنة لم تعد تخفى على أحد، فالمنظمة تعاني أزمة مالية حادة، وتواجه انتقادات لاذعة تتهمها بالبطء والشلل في التعاطي مع الأزمات الساخنة، وفي مقدمة المنتقدين تأتي الإدارة الأمريكية، التي لا تتوانى عن اتهام الأمم المتحدة بإنفاق غير مضبوط وتشتت في الأولويات، مطالبة بالتركيز الحصري على ركن «السلام والأمن» على حساب ملفات مثل التنمية المستدامة. وهنا تكمن إحدى أعقد مهمات الأمين العام الجديد: كيف يتسنى له امتصاص هذا الغضب والحد من سياسات التشكيك الموجهة للمؤسسة الدولية، من دون التفريط بالمرتكزات الأساسيvة لميثاق الأمم المتحدة التي تتمسك بها دول عدة في العالم النامي؟
أمام أمين عام الأمم المتحدة القادم ملفات ملغّمة، بداية من إطفاء الحرائق المشتعلة، مروراً بتعزيز أدوار الوساطة الوقائية قبل انفجار الصراعات، وصولاً إلى نزع فتيل المواجهات التي تهدد بالانزلاق نحو حرب عالمية. ولن يكون بمقدور القائد الجديد ارتكاب خطأ واحد في الحسابات الدبلوماسية، لأن أي هفوة أو انحياز قد يفقده الاستقلالية، ويحوّل الأمين العام من وسيط مقبول إلى طرف مغضوب عليه من هذا القطب أو ذاك.
ولكي يتلافى السقوط في هذه الفخاخ، أمام الأمين العام المرتقب تبنّي استراتيجية تقوم على «الواقعية الدبلوماسية» دون الاستسلام لضغوط القوى العظمى. فالحلول تبدأ من إعادة ضبط الإنفاق لتعزيز الشفافية والكفاءة، وتوجيه الموارد المتاحة نحو الدبلوماسية الوقائية والوساطة المبكرة، كما يتعين على القيادة الجديدة الاستفادة من التكتلات الإقليمية والدولية الصاعدة لبناء شبكات أمان تمنع الانفجار الشامل، واستعادة دور الأمين العام بوصفه «صوت الضمير العالمي» المتجرد من الأجندات الضيقة.
السير على حبل مشدود بين الحفاظ على دعم العواصم الكبرى ومنع التدهور إلى مواجهة دولية، يمثل التحدي الأكبر للعهد الأممي المقبل. ويبقى السؤال المطروح: هل ينجح من سيتولى الدفة في صياغة معادلة متوازنة تعيد للهيئة الدولية هيبتها وفاعليتها، أم أن عمق الاستقطاب الدولي ورغبة الهيمنة سيبقيان المنظمة مجرد منصة للكلام في عالم تحكمه المدافع؟
