«أسوأ مكان في الجحيم محجوز لأولئك الذين يبقون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية والأزمات»، كلمات استشهد بها المناضل الأمريكي من أصول إفريقية مارتن لوثر كينج، والحاصل على نوبل للسلام، في خطاب له عام 1967، ورغم أنها قيلت في سياق مختلف إلا أنها تنطبق تماماً على ما يحدث بمنطقة الخليج والشرق الأوسط، المنكوبة حالياً بصراع أمريكي إيراني إسرائيلي، لا ناقة لها فيها ولاجمل.
الإمارات تحديداً ودول الخليج بشكل عام، نجحت خلال عقود قليلة، في بناء نموذج استثنائي للتنمية، وتحويل الصحراء إلى مراكز مالية واقتصادية عالمية، هذا النجاح كان ثمرة رؤية سياسية، واستثمار طويل في الإنسان والبنية التحتية والاقتصاد. ولهذا، فإن أي اعتداء يستهدف إحدى دول الخليج لا يهدد حدودها فقط، بل يستهدف نموذجها التنموي ورسالتها في المنطقة، اعتداء يستهدف فكرة النجاح والتميز من الأساس وتدمير ما يمكن أن نسميه «لحظة الخليج» أو محاولة استهداف نموذج متكامل من الاستقرار والتنمية في العالم أجمع.
ومع استمرار الاعتداءات الإيرانية السافرة بالصواريخ والمسيّرات على دول الخليج ومعها الأردن حالياً ومنذ 28 فبراير/شباط الماضي، باتت القضية لا تقتصر فقط على مواجهة الاعتداءات والتهديدات الإيرانية المتكررة، وإنما أصبحت القضية هي اختبار لقدرة المنطقة على الدفاع عن أحد أهم منجزاتها التاريخية: الاستقرار. وهو هدف يجب أن يُبذل من أجله الكثير.
وإذا كان الاستقرار هو الإنجاز والأنموذج الذي يشهد به العالم، فإن الدفاع عنه وحمايته ليسا اختياراً، بل هما فرض عين على الخليج والمنطقة والعالم. وربما الدرس الأهم في الظرف الآنيّ قدمه لنا ونستون تشرشل، السياسي المخضرم والكاتب ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق، منذ عشرات السنين عندما قال «الاستسلام للخطر لا يصنع السلام، بل يؤجل المواجهة ويجعل ثمنها أكبر». وهنا ليس المقصود الترويج للحرب، فالحروب لا ينتصر فيها أحد بالكامل، وإنما المقصود أن السلام نفسه يحتاج إلى قوة تحميه، وإلى وضوح يمنع إساءة تفسير حسن النوايا. والدبلوماسية التي لا تستند إلى موقف واضح ومحدد محكوم بضوابط وتسنده مقومات، تتحول في نهاية الأمر إلى مجرد أمنيات.
إن أمن الخليج لا يخص دول مجلس التعاون وحدها، بل هو جزء من معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي، خاصة أن المنطقة تؤثر في أسواق الطاقة، والغذاء والملاحة البحرية، وسلاسل الإمداد العالمية، وأي اضطراب فيها يمتد أثره إلى ما هو أبعد من حدودها الجغرافية، وهو الواقع الذي تعيشه أغلب دول العالم حالياً. لذا، فإن محاولة الوقوف في منطقة الحياد وإنكار حجم الكارثة التي تتسبب بها إيران واختطافها لمضيق هرمز، الشريان الأهم في حركة التجارة العالمية، فضلاً عن ميليشياتها التي تهدد حركة الملاحة والتجارة العالمية أيضاً في باب المندب، هي أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه اللحظات، لأنه يساوي بين المعتدي والمعتدى عليه، أو يصور الدفاع عن الأمن والسيادة باعتباره نوعاً من التصعيد. وهنا، يفقد الحياد أهميته كفضيلة ولا يصبح قيمة أخلاقية إذا ساوى بين من يهدد الاستقرار ومن يسعى إلى حمايته.
ولهذا، فإن الدفاع عن أمن الخليج واستقراره وتجربته لا يجب أن يُفهم باعتباره انحيازاً ضد أحد، بل هو انحيازٌ لمبدأ واضح: احترام سيادة الدول، ورفض الاعتداء عليها تحت أي ستار أو مبرر، والالتزام بقواعد القانون الدولي. وهذه ليست مبادئ خليجية، وإنما قواعد أساسية قامت عليها العلاقات الدولية الحديثة.
وعندما تتعرض دول الخليج لاعتداءات أو تهديدات تمس أمنها وسيادتها واستقرارها، فإن الحديث عن الوقوف في المنطقة الرمادية يفقد كثيراً من منطقه، لأن أمن المنطقة كلٌّ لا يتجزأ، وأي استهداف لطرف فيها ينعكس على الجميع.
في هذه اللحظة، المنطقة أحوج ما تكون إلى المواقف الثابتة والمبادئ المعلنة، أحوج ما تكون إلى المجاهرة بالمساندة والدعم، وليست في حاجة لمن يقفون على الحياد أو يحتلون المناطق الرمادية، فمصيرنا واحد في النهاية. ولا نريد أن نعض أصابع الندم ونردد بخيبة «أُكِلتُ يوم أُكِل الثورُ الأبيض».
«لحظة الخليج» ليست لحظة الأمة العربية فقط، بل يجب أن تكون لحظة العالم، والتاريخ لاينسى، وذاكرة الشعوب قد تمحو المواقف العابرة والخلافات المؤقتة، لكنها تسجل بحروف من نور من ساند وكان واضحاً وشامخاً في دعمه وتأييده، لأنه كما قال مارتن لوثر كينج: «في النهاية، لن نتذكر كلمات أعدائنا، بل صمت أصدقائنا».
