لماذا أهمل أساتذة العلوم السياسيّة والاجتماعية العرب مخطط «الفوضى الخلاّقة» وعلاقته بمسلسل «الربيع العربي»؟ لم يفيدونا بالتحليل الحصيف، والتعليل الشفيف. إذا كان الأساتذة يتصوّرون أن الهول هو في ما حدث، فهم واهمون. الفجائع هي تلك التداعيات المتتاليات. المشهد لا يشبه الزلزال، الذي تعقبه هزّات ارتداديّة، الصورة هنا معكوسة، تحدث الهزّة، ثم تليها الزلازل الارتداديّة. لن تكون مبالغاً إذا قلتَ إن ما جرى في بداية الوقائع كان مجرّد صاعق، ولن تكون مُشِطّاً إذا وصفتَ الأمر بالرفّة الأولى للفراشة على سطح البحر، قبل احتدام التسونامي.
لن يحرّك العتاب شعرةً في مفرق المتخصّصين، فقد ابتكروا منهجيّةً، يكلّ الدهر ولا يعتريهم الكلل. هم استلهموا الدور من المؤرخين، الذين يقلّبون الملفات المؤرشفة، بعد مئات السنين. الحكمة لديهم تقول: الأحداث تدور أمام أعيننا، ولسنا بقادرين على فك ألغاز ألاعيبها، فدعها للزمن، فلعل بعض خفاياها ينكشف أو ينفضح، بعد بضعة أجيال.
لكننا لا نريد إثقال كاهلهم بحلّ معادلات أحداث طُبخت في دهاليز الجبابرة، فهم لن يسجدوا لرضيعنا إذا بلغ الفطام، والمسامح كريم حاتمي، عند عدم الاقتدار. كل ما نؤمّله من خبرائنا هو الاستشراف وقراءة المسطور على لوح المستقبل. الأبالسة الذين خططوا لتداعي أحجار الدومينو كانوا يدركون ما هي أبعاد الفوضى الخلاّقة. السميراء كونداليزا لم تبخل بأجلى بيان: «الفوضى الخلاّقة هي أن تهدم كل شيء، وتتركه يتشكل، فإن لم يكن على هواك، فشكّله أنت كما تهوى». في 2006 وَصفت الحرب في لبنان بأنها «آلام مخاض الشرق الأوسط الجديد». لا توحش النفس بمحاولة تجسير ما بين الكلامين، فالأطماع هي الأخرى مثل السواقي، وكما لم يقل الخيّام: «لا تشغلِ البال بربط الخططْ.. فإن بعض الربط عينُ الغلطْ... وإنما المأساة في أمّةٍ.. تشبه نظم العِقد حين انفرطْ».
يقيناً، الاستشراف فن جديد على الباحثين العرب، لهذا لا عتاب ولا شجن، لا نلومهم على أن مقراب زرقاء يمامتهم لم يستشعر طلائع الربيع العربي، لكن كان عليهم أن يدركوا التداعيات التي ستجعل من المحال عودة البلدان المتفككة بدرجات متفاوتة إلى ما كانت عليه، ولا حتى بعد أربعة عقود أو خمسة. المخطط أوجد وضعاً «كان صرحاً من خيال فهوى». كيف ستعود لُحمة العراق إلى سيرتها الأولى؟ وسوريا وليبيا ولبنان والسودان؟ التركيبة الاجتماعية تفككت عراها، والشرح يطول، لكن، في جملة واحدة: جسم قُطّعت أوصاله.
لزوم ما يلزم: النتيجة العملية: يجب وضع حدّ للمخطط. ابتكِروا مشروعاً جديداً ومختلفاً لإعادة بناء الأمّة. «عمر اللي فات ما هيرجع تاني».
[email protected]
مسلسل ما بعد الفوضى الخلاّقة
15 سبتمبر 2025 00:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
15 سبتمبر 00:10 2025
شارك