أحمد مصطفى

ليس هناك على الإطلاق ما يمكن أن يبرر قتل شخص بسبب أفكاره مهما كان بها من شطط. حتى من يروجون للمقولات المتطرفة طالما أنهم لا يحرضون على العنف فإن العنف تجاههم غير مقبول. هذا ما تمليه الفطرة الإنسانية السليمة بغض النظر عن القواعد والقوانين. لكن موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجوقة مشجعيه من مقتل الناشط اليميني تشارلي كيرك لا يتبنى هذه المبادئ إنما هو خطاب كراهية وتحريض يستغل الحادث المؤسف لأهداف سياسية متطرفة.
في إبريل/ نيسان الماضي تعرض حاكم بنسلفانيا لحرق بيته وهو وأهله نائمون فيه وفي يونيو/ حزيران قتلت النائبة من ولاية مينسوتا وزوجها. وقبل ذلك غيرهم من السياسيين الذين تعرضوا للعنف السياسي منهم من قتل ومنهم من أصيب ومنهم من نجا. حتى ترامب تعرض لمحاولة اغتيال العام الماضي بإطلاق الرصاص عليه في مؤتمر انتخابي قبل فوزه بالرئاسة. لكن ترامب وفريقه في تأبينهم لكيرك لم يذكروا أياً من هذا العنف، بل ركزوا على اتهام كل من يعارض أفكارهم بأنه وراء قتل كيرك بالتحريض الفكري والسياسي. والواقع أنه لو كان هناك محرض فهو الضحية نفسه الذي حين تتابع خطاباته في الشباب بالجامعات الأمريكية والمتوفرة على الإنترنت تجد أنه بوضوح يشجعهم على فعل ما فعله الشاب الذي أطلق عليه النار وقتله.
بغض النظر عن الأفكار وضرورة الرد عليها بالأفكار وليس بالرصاص فإن هناك حقيقة لا يجب إغفالها هي أن القتل بإطلاق النار أو بالسلاح الأبيض أمر شائع في أمريكا وزادت وتيرته في السنوات الأخيرة. وتكاد تتكرر عمليات إطلاق النار العشوائي في المدارس والجامعات ومراكز التسوق والشوارع ربما أسبوعياً. هناك عوامل كثيرة تدفع نحو زيادة وتيرة العنف الدموي في الولايات المتحدة من انتشار المخدرات والأمراض النفسية والعقلية التي لا تجد في أغلب الأحيان رعاية صحية كافية مع تدهور النظام الصحي وحرمان كثيرين من التأمين الصحي وعدم قدرتهم على تحمل تكاليف العلاج. ثم هناك أيضاً عوامل أخرى كثيرة تتعلق بالعنف بين عصابات الإجرام وغير ذلك. ذلك العنف «غير السياسي» إن صح التعبير أمر مألوف وشائع في أمريكا ولا يقتصر على طائفة بعينها سواء على أسس عرقية أو غيرها. إنما العامل الأهم في هذا العنف هو انتشار السلاح بين الناس في الولايات المتحدة بفضل التعديل الثاني من الدستور الأمريكي. ينص ذلك التعديل على أنه «بما أن الميليشيات المنظمة جيداً هي ضرورة لأمن الدولة الحرة فلا يجب الانتقاص من حق الناس في امتلاك وحمل السلاح». ولا يمكن إغفال أن غالبية من الأمريكيين يعارضون بشدة أي محاولة لضبط انتشار الأسلحة بأيدي الجماهير.
يفاقم من هذه المشكلة أن عملية تجارة السلاح الشخصي، وبعضه أسلحة قوية وفتاكة، لا تحكمها ضوابط قوية. وهذا يسهل انتشار تجارة الأسلحة غير المنظمة ووقوعها في الأغلب في أيدي من يمكن أن يستخدموها في القتل، عشوائياً أو استهدافاً. وفشلت مراراً محاولات الإدارات الحكومية المتعاقبة لضبط بيع الأسلحة بتشديد إجراءات التحقق من المشترين وما إذا كانت لهم سوابق إجرامية وأيضاً الحد من انتشار الأسلحة الأوتوماتيكية والأسلحة بالمواصفات العسكرية.
الحقيقة أن أغلب من يصدرون التصريحات النارية الآن بشأن اغتيال كيرك هم من أشد المعارضين لأي تعديلات أو ضوابط لتصنيع وتجارة وبيع الأسلحة للناس. إنهم أقرب ما يكون لوزير الأمن الإسرائيلي المتطرف الذي يسلح المستوطنين للهجوم على الفلسطينيين ثم يطالب بحظر أي سلاح آخر غير الذي بيد ميليشيات مستوطنيه! طبعاً هناك لوبي قوي، هو رابطة مصنعي وتجار الأسلحة، في الولايات المتحدة يقف دائماً في وجه أي محاولة لتنظيم وضبط تجارة الأسلحة في أمريكا وبيعها للناس. قد يتصور البعض أن أنصار هذا اللوبي من السياسيين هم من معسكر واحد، الجمهوريون المحافظون. لكن الواقع أن موالي هذا اللوبي من الديمقراطيين لا يقلون قدراً عن الجمهوريين. فالرابطة هي من أكبر المتبرعين السياسيين، وتذهب أموالها لدعم مرشحي الكونغرس ومجالس الولايات وغيرها من المناصب المنتخبة بغض النظر عن انتمائهم السياسي. ويضمن لوبي السلاح بذلك أن أحداً ممن مول حملاتهم الانتخابية لن يقبل بتمرير أي قوانين تحد من تصنيع وتجارة السلاح. ولا حتى من يصلوا إلى المراكز المنتخبة بعد إنما يأملون في دعم رابطة السلاح لهم مستقبلًا.
في ظل هذا المناخ تعتبر التوجهات المفرطة في التشدد مجرد شرر يشعل وقوداً موجوداً بالفعل، ولعل الانقسام الذي أحدثه ترامب وقاعدة مؤيديه منذ فترة رئاسته الأولى هو أقوى الشرر. وبغض النظر عن العنف غير السياسي فإنه يمكن القول إن أقوى مظهر للعنف السياسي كان هجوم أنصار ترامب من الميليشيات المتطرفة والعنصرية المسلحة والعنيفة على رمز الديمقراطية الأمريكية يوم 6 يناير 2021. اقتحم هؤلاء مبنى الكابيتول الذي يضم مجلسي النواب والشيوخ وهاجموا رجال الأمن ومن وصلوا إليه من ممثلي الشعب وموظفيه، وكان ترامب غير بعيد في واشنطن يطلق خطاب الكراهية والتحريض والتضليل السياسي.
لن يكون اغتيال كيرك آخر مظاهر العنف السياسي في أمريكا، في ضوء وضعها الحالي واستمرار قوة تيار ترامب خاصة بين الشباب. ولم يعد في الولايات المتحدة من يمكنه وقف هذا المسار.
[email protected]