لم يتوقف الجدل في مجتمعاتنا حول العلاقة بين العلم والدين، ما بين توجهات أصولية وسلفية متشددة تتخذ من العلم موقفاً عدائياً إذا لم يتسق مع تصوراتها الجامدة والمتشددة، وآخرين يحاولون التوفيق بين العلم والدين. وبما أن المعنى الواسع لليمين السياسي والفكري يشمل التيارات الأصولية والسلفية من الأديان، فإن التصور بأن اليمين يتخذ موقفاً مناوئاً من العلم يبدو منطقياً.
لكن القصد هنا ليس موقف من يريدون من العلم ألا يحيد عن معتقدهم الديني، بل المقصود هو اليمين السياسي المتشدد غير الديني. ذلك هو التيار الصاعد حالياً في الديمقراطيات الغربية كلها بدءاً من الولايات المتحدة الى دول أوروبا، وصولاً الى دول في آسيا وأمريكا اللاتينية.
في فترة رئاسة دونالد ترامب السابقة للولايات المتحدة تعامل الناس بسخرية وفكاهة مع قوله في عز أزمة وباء كورونا إنه يمكن للمصابين بالفيروس العلاج بأن «يشربوا كلوراً». لم يكن الرئيس يمزح حين قال ذلك، وإن ترك الأمر يمر على أنه سخرية لخطورة الوضع العالمي وقتها والسباق لإنتاج لقاحات لفيروس كوفيد-19، إنما تلك هي قناعة اليمين المتطرف والشعبوي عموماً في ما يتعلق بالعلم.
الآن في فترة رئاسة ترامب الثانية أتى بوزير للصحة من عائلة كينيدي، المعروفة تاريخياً بأنها ديمقراطية وليست جمهورية مثل الحزب الحاكم. إلا أن روبرت كينيدي انشق واتبع ترامب فتولى وزارة لا علاقة له بها لا مهنياً ولا علمياً. والحقيقة أن تلك ليست مشكلة، فالوزير منصب سياسي وليس فنياً فلا حاجة صارمة لأن يتولى طبيب وزارة الصحة.
أثبت روبرت كينيدي بسرعة أنه نموذج مثالي لليمين المتطرف الشعبوي المعادي للعلم، سواء عن قناعة أو ممالأة لرئيسه. فمن يومه الأول في الحكومة مطلع العام أطلق تصريحات كارثية بالمعنى العلمي، ثم بدأ في إقالة كل الأطباء والعلماء في هيئات الوزارة الذين يخالفونه الرأي ويحاولون الجدل بأن ما يطلبه من سياسات في منتهى الخطورة على الصحة العامة.
وفي كل مرة، كان الرئيس ترامب يسانده، خاصة أنه يفعل مثله بإقالة من يخالفه الرأي – حتى لو كان رأياً مهنياً في أمور لا يفهم فيها كينيدي شيئاً. وحتى أقال رئيسة مركز مكافحة الأمراض قبل أسابيع، وبعد نحو شهر فقط من تصديق الكونغرس على تعيينها بدأ نواب وشيوخ من الحزب الجمهوري الحاكم ينتقدون روبرت كينيدي. خاصة بعدما تبين أنه لا يوجد أساس لإقالتها، وأن كينيدي كذب في شهادة له أمام لجنة في الكونغرس بشأن مبرراته لإقالتها.
اتضح أن المديرة السابقة رفضت الامتثال لطلب كينيدي بإقالة فورية لمجموعة متميزة من الأطباء والعلماء في المركز لأنهم يخالفون رأيه في ما يتعلق ببرامج اللقاحات. ثم جدالها بأن تعديل برامج التطعيم للأطفال كما يطلب كينيدي تمثل مخاطرة صحية علمياً.
الأهم والأخطر أن مركز مكافحة الأمراض هو الذي يقوم بتصريح تسجيل الأدوية والمستحضرات الطبية بعد اختبارها علمياً حين تتقدم بها الشركات قبل بيعها للجمهور. صحيح أن المركز لم يخلُ من بعض فساد في علاقته بكبرى شركات الأدوية، وهي «بزنس» هائل لا يقل عن «بزنس» السلاح والمخدرات، لكن في النهاية هناك بعض المعايير العلمية والطبية الأساسية يصعب تجاهلها.
ولطالما اشتكى الأمريكيون من القيود والضوابط الأوروبية على الأدوية والمستحضرات الطبية الأمريكية التي تعوق التصدير من الشركات الأمريكية لأوروبا. فقواعد الاتحاد الأوروبي تتطلب ألا يستخدم أي دواء تم تسجيله وترخيصه في أمريكا الا بعد عامين من تداوله هناك، وذلك لضمان سلامته التامة وأنه لا يسبب أضراراً جانبية خطرة.
ربما لا يدرك روبرت كينيدي تأثير سياساته التي تتسم بالصلف والعجرفة في صناعة الدواء الأمريكية وأسواقها الخارجية. فأي دولة أو كتلة تجارية مثل الاتحاد الأوروبي لا تثق تماماً في إجراءات سلامة الأدوية الأمريكية ستفكر الآن ألف مرة قبل استيراد أدوية أمريكية تسجل وترخص استناداً الى آراء «شوارع» كالتي يطلقها كينيدي وليس بعد فحص علماء وأطباء مؤهلين.
بغض النظر عن التأثير السلبي في التصدير الذي يوفر عائدات وأرباحاً لشركات الأدوية، هناك الصحة العامة لملايين الأمريكيين. والمصيبة الحقيقية أن كينيدي يتصور أنه يعرف ما هو أفضل لصحة الشعب من الأطباء والعلماء، مع أن افكاره وآراءه الطبية والعلمية، التي لا تختلف كثيراً عن آراء وأفكار رئيسه، مصدرها في الأغلب تفسيرات المؤامرة على الإنترنت والتضليل والتزييف الذي يملأ مواقع التواصل.
تعلّم الرئيس ترامب من تجربة رئاسته الأولى أن يختار منذ البداية أركان حكومته من أشخاص يتصفون أساساً بالولاء الشخصي له وليس للبلد، وثانياً أن تكون أفكارهم وآراؤهم مثله الى حد كبير.
وهكذا ليس روبرت كينيدي حالة استثنائية في الحكومة الأمريكية، حتى وإن كانت مخاطر آرائه وسياساته تؤثر مباشرة في صحة الشعب الأمريكي ومن يستورد أدوية أمريكية خارج الولايات المتحدة، إنما هي حالة عامة بين أركان الإدارة الأمريكية، ما يعني إقالة أو استقالة المهنيين في وزاراتهم وإداراتهم. بالطبع لا يهتم الرئيس كثيراً بكل ذلك، طالما أنه يدير فريقاً طوع يده ويُسمعه دوماً ما يصفه بأنه «وقع موسيقى على أذنه» على حد تعبيره.
[email protected]