يخبرنا العلم عن القدرات الهائلة للدماغ البشري، ولكن في الوقت ذاته هذه القدرة محدودة، وترتبط بعوامل كثيرة عند التعامل مع كميات كبيرة من المثيرات المتزامنة، فأدمغتنا تطورت عبر التاريخ في بيئات كانت الأحداث فيها قليلة، وكان الانتباه يتركز على صوت الحيوانات أثناء الصيد، أو على النار التي توشك أن تنطفئ، أوعلى حديث جماعي حول أحد شؤون الحياة.
ولكن اليوم، نحن نعيش وسط مئات «النيران» التي تشتعل في وقت واحد على شاشة هاتفنا، إشعارات متكررة لمختلف نواحي الحياة، أمورنا الشخصية، أحداث سياسية، فواتير، معاملات البنوك..الخ، حتى صارت أدمغتنا تعمل في حالة طوارئ مستمرة.
علماء الأعصاب يطلقون على هذه الظاهرة «تشتت الانتباه الرقمي»، والتي تؤدي إلى انخفاض قدرة الذاكرة العاملة، وتراجع التركيز العميق الذي تحتاج اليه القراءة والتأمل والكتابة والإبداع.
والنتيجة؟.. بالتأكيد تراجع ملموس في إنتاج الثقافة والمعرفة، ولا يعود السبب هنا لأن المبدعين قلوا، ولكن شروط الإبداع تغيرت، فالكاتب الذي كان يجلس ساعات يحرر مادته الإبداعية، بات يقاطعه إشعار كل خمس دقائق، فيقطع خيط الفكرة قبل أن تكتمل.
خذ أيضاً القارئ الذي كان يغرق في رواية حتى آخر صفحة، وبات يتنقل بين مقاطع الفيديو القصيرة التي لا تتجاوز ثواني معدودة، لأنه لا يملك ترف الوقت المخصص للقراءة، وتغيرت علاقته بالزمن، وأصبح الانفعال والتفاعل أسرع من الفهم.
قد يبدو الكلام متشائماً، لكني أرى أن إدراك المشكلة هو نصف الحل، ولست أطالب بالعودة إلى الماضي أو مقاطعة التكنولوجيا، بل أريد استعادة حقنا في إدارة انتباهنا، فالأمر يحتاج إلى وعي فردي قبل أن يكون مسؤولية جماعية، بإمكاننا أن نضع لأنفسنا مناطق خالية من الشاشات، وأوقات محددة للانقطاع عن الإنترنت، لحظات يومية نخلو فيها للقراءة الطويلة أو للكتابة بلا مقاطعة، نحتاج إذا ما جاز التعبير إلى «حمية ذهنية» تشبه الحمية الغذائية، ننتقي فيها ما يدخل إلى وعينا، وتقليل ما يضر به، وإعطاء الدماغ فرصة للراحة ليعيد تنظيم نفسه.
لا ألوم التكنولوجيا وحدها، المشكلة فينا أيضاً، نحن من استسلمنا بسهولة لإغراء الاستهلاك الفوري للمحتوى، واعتبرنا أن «المعرفة السريعة» تكفي، نشارك اقتباسات من هناك وهناك، ونظن أننا نقرأ ونتعلم، بينما في الحقيقة نحن نستهلك المعرفة كما نستهلك الوجبات السريعة، وبلا هضم فكري حقيقي. ولا بد أن نعي أن بناء الثقافة يحتاج إلى زمن، والوعي يحتاج إلى بطء، وربما علينا أن نعيد تعريف معنى الانتباه في حياتنا، وأن نجعله استثماراً عقلياً وروحياً في ما يستحق.
من سرق انتباهنا؟ ابحث في نفسك عن الإجابة، لكن كن على يقين بأنه يمكننا استعادته لو قررنا أن نعيد للعقل وقاره وللتفكير قيمته، وإذا أردنا ثقافة ومعرفة راسخة، فعلينا أن ندافع عن انتباهنا كمن يدافع عن مورد طبيعي ثمين، فالعقل المشغول ب«الإشعارات» لن ينتج إلا شظايا أفكار.
[email protected]