يحيى زكي

ينشغل الكثير من المفكرين بالبحث عن معنى، والذي لا يقتصر فقط على معنى الحياة أو الوجود أو الأسئلة الكبرى، ولكن ربما يكمن المعنى في قضية حياتية أو في تفصيلة صغيرة في الواقع، بعضهم ربط المعنى بأفكار العدالة والحرية وحقوق البشر، والبعض الآخر بحث عن المعنى في مفردات تحيط بنا ونتعامل معها على مدار الساعة.
المعنى يُكسب الحياة على المستوى الجمعي أهمية وقيمة، يمنح الجماعة هوية تُعرف بها وتنخرط في العالم من خلالها، فجماعة من دون معنى تصبح في مهب الريح وعرضة للفوضى والانحلال، وهو ما شاهدناه في نهاية الحضارات المختلفة. فالحضارة لا تنهار بفعل تراجع فكرة العصبية أو الترف المفسد وحسب، كما ذهب ابن خلدون، ولكنها تنهار أيضاً عندما تصبح الأشياء متساوية في القيمة، فالفكرة الكبرى لا تختلف في النوع أو الدرجة عن الفكرة السطحية العابرة، هنا لا قيمة لاختلافات البشر أو خياراتهم، وتصاب المعايير والمرجعيات في مقتل، ويتصرف أفراد الجماعة وفق حريات فردية لا ضابط لها ومنفلتة من عقالها.
لقد كان المعنى على المستويين الجمعي والفردي مداراً لأطروحات فلسفية ودراسات نفسية، فضلاً عن أعمال أدبية، ومعظمها توصل إلى أن المعنى يتأسس على فكرة كبرى تُكسب المجتمعات والأفراد ثقلاً وتماسكاً.
الآن في عصر التكنولوجيا الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي، هل من معنى؟ وهو سؤال يشغلنا على المستويات كافة، أحياناً نسأل أنفسنا ما الذي أفادنا ببقائنا لساعات في تصفح تلك المواقع؟ نكتشف أن وقتنا سُرق وأن ذهننا شُتت في أشياء متلاحقة وسريعة ومن الصعب الإمساك بها، نكتشف أننا خسرنا، وأنه لا قيمة لما نفعله، ولا أهمية ترجى من تلك المواقع، ومع ذلك لا نستطيع الابتعاد عنها، وبتكرار الفعل تصبح هذه المواقع جزءاً من حياتنا اليومية، ورويداً رويداً تتقلص قدرتنا على إدراك المعنى، ونعجز عن مراكمة الأفكار، وتصبح الحياة مجموعة من تفصيلات صغيرة نراوح بينها كل يوم، ونصاب في العمق بنسبية لا حدود لها، فكل الأشياء خطأ وصواب في الوقت نفسه، ولا يوجد ما هو وثوقي يمكن التأكد منه.
تنتج التكنولوجيا الحديثة بالتأكيد مجموعة من المعاني، ولكنها ليست صلبة، في حالة تحول مستمر، لا تستقر في العقل ولا تؤثر في الوجدان، ولا يعوّل عليها في تشكيل الضمائر، هي معان افتراضية تتشابه مع العالم الذي أنتجها. والخطورة هنا أنها صُممت لتؤثر في العالم الحقيقي الملموس، والأخطر أنها نجحت في ذلك بقوة، لم تعد خبرات البشر تتشكل نتيجة للتربية أو التعليم أو التأمل والتجربة، ولم تعد معلوماتهم نتيجة للقراءة والاطلاع وحب المعرفة، وعندما تسأل أي إنسان الآن سؤالاً يهرع إلى هاتفه المحمول ليسأل «غوغل» والذكاء الاصطناعي، وعندما تطلب منه النصيحة يخبرك بناء على ما شاهده في هذا الفيديو أو ذلك، أما المشاعر فهي مصنوعة ومزيفة إلى حد كبير وبها قبس من تقليد العالم الافتراضي، وأصبح هذا الإنسان يفتقد القدرة على إنتاج أي معنى خاص به.