وضع ويل ديورانت مجلّدات حضارات العالم والتاريخ على شكل قصّة «قصّة الحضارة»، ولذلك، تقرأ هذه المجلدات بسهولة وإن كانت ثقيلة الوزن.
يخبرنا ديورانت عن مدينة تسمّى إليريا تقع إلى شمال ابيروس على ساحل البحر الأدرياتي، وكانت تلك الأمكنة معروفة في عهد حضارة إسبرطة في إطار ما كان يسمى البيئة المحيطة ببلاد اليونان، وكان أهل إليريا من الرعاة، ويبيعون الماشية والعبيد بملح الطعام.
×××
ثم، لا تستهن بالملح، فله تاريخ حافل بالمعتقدات الشعبية والدينية والروحية اكثر مما هو موجود في تاريخ الذهب، لا بل كان الملح أغلى من الذهب عند بعض الحضارات القديمة، وكانت رواتب الموظفين في تلك الحضارات عبارة عن صرر من كميات الملح، ومن كان عنده الكثير من الملح كان ثرياً ومن رجالات المال والأعمال في تلك الأقوام القديمة.
ومن معتقدات الملح، أن رجال المسرح كانوا يرشّونه على خشبة التمثيل، وذلك لطرد الأرواح الشرّيرة عن الممثلين وعن العمل المسرحي نفسه.
ارتبط تاريخ الملح أيضاً بوقائع سياسية عالمية، مثل مسيرة الملح التي سُمّيت، أيضاً، عصيان الملح، والتي قام بها الزعيم الهندي المهاتما غاندي، وقد مشى هو ورفاقه مسافة عشرة أميال في اليوم الواحد، كما جاء في الموسوعة الحرّة. واستمرت مسيرة الملح 24 يوماً، وكانت المسيرة بكل معطياتها السياسية والمدنية والثقافية موجّهة ضد سياسة الاحتلال والاحتكار التي كانت تمارسها بريطانيا آنذاك في الهند.
×××
يظن بعض الآثاريين والمثقفين الجيولوجيين، أن اسم منطقة مليحة الواقعة شرقي مدينة الشارقة يعود إلى استعارة لغوية من «الملاحة» التي تعني الجمال، وفضلاً على الجماليات المكانية الموجودة فعلاً في مليحة، إلّا أن اسمها يعود إلى وجود طبقات ملحية في طبيعية جيولوجية مليحة التي تعتبر واحدة من أعرق المواطن التاريخية والآثارية في المنطقة وفي الجزيرة العربية.
×××
من أهم المؤلفات التي تناولت تاريخ الملح كتاب للباحث الأمريكي مارك كيرلانسكي، صدر عن سلسلة عالم المعرفة في الكويت عام 2005 تحت عنوان «تاريخ الملح في العالم»، ومن أطرف فصول الكتاب، ذلك الفصل الذي يعتبر فيه الملح زواج الصوديوم الكامل، وَصُنِعَتْ من أجل هذه الناعمة البيضاء ممالح ملكية توضع على موائد أهل الحكم المعتبرين الكبار في القرون الوسطى وعصر النهضة، لا بل إن بعض الممالح عمل فني نحتي، مثل، تلك المملحة التي صنعها النحّات الإيطالي بينفينتو سيلليني من أجل مزاج الملك الفرنسي فرانسوا الأول، ويقال إنه كان مغرماً بالفنون والحروب.
×××
ما من مائدة أمير أو مائدة وزير أو غفير إلا والملح حاضر في الخبز والحساء واللحم والخضار، ولولا الملح، لما ظهر فن الطبخ، ولولا ثقافة المطبخ لما كانت رواتب بعض ذوّاقي الملح والبهار والفلفل تصل إلى عشرات ومئات الآلاف من الدولارات في فنادق الدرجة الأولى في عالم يموت فيه البشر من الجوع.