د. عبدالله أحمد آل علي*

منذ عقود طويلة شكّل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أحد أعقد ملفات السياسة الدولية، وأحد أبرز مصادر التوتر في الشرق الأوسط. وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة، تبرز قناعة متزايدة في أوساط عدد من مراكز الفكر الغربية ومنها ما أشار إليه باحثون مثل جولي نورمان في معهد RUSI بأن الأمن الإسرائيلي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة.
هذه الرؤية، التي تستند إلى معادلة متوازنة في إدراك الأمن والسلام، تمثل اليوم أحد المسارات الواقعية لفك عقدة الصراع وإعادة صياغة مستقبل المنطقة.
الأمن الإسرائيلي، وفق هذا الطرح، لا يقوم على التفوق العسكري وحده، ولا على منظومات الردع المتقدمة، بل على وجود تسوية سياسية مستدامة تنهي جذور الصراع. فقيام دولة فلسطينية ذات مؤسسات راسخة وحدود معترف بها، لا يعني فقط تلبية الحد الأدنى من حقوق الفلسطينيين، بل يشكّل في الوقت نفسه الضمانة لاندماج إسرائيل في محيطها الإقليمي على قاعدة الاعتراف المتبادل والمصالح المشتركة.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن إدارة الصراع من دون حل جذري تزيد من هشاشة الأمن الإسرائيلي ذاته، حيث تبقى جبهات المواجهة مفتوحة، كما نشهده في تداعيات الحرب على غزة.
أما معادلة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فإنها تنقل العلاقة من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة، وهو ما يشكل جوهر السلام العادل الذي تسعى إليه الأطراف الجادة.
خطوة الاعتراف التي أقدمت عليها دول مثل بريطانيا وفرنسا وأستراليا وكندا والبرتغال وكندا وبلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا وأندورا وموناكو لا يمكن النظر إليها بمعزل عن التحولات العميقة التي أحدثتها حرب غزة.
فهذه الحرب لم تكشف فقط عن حجم الكلفة الإنسانية الباهظة، بل أظهرت أيضاً حدود القوة الإسرائيلية في ضمان الاستقرار. وقد دفعت هذه الوقائع عواصم غربية إلى مراجعة قناعاتها، والاقتراب أكثر من المقاربة الواقعية: إن أمن إسرائيل لا يستقر إلا إذا رُسّخت أسس الدولة الفلسطينية.
هذا الاعتراف الدولي يحمل ديناميات جديدة تؤثر في مسار العملية السياسية، فمن جهة يفتح نافذة لإعادة إحياء حل الدولتين ضمن إطار زمني واقعي، ومن جهة أخرى يضغط على الأطراف الرافضة لهذا الحل لتبني نهج أكثر براغماتية.
إن السياق الدولي الحالي، حيث تتشابك مصالح القوى الكبرى مع استقرار الشرق الأوسط، يعزز من أهمية البحث عن تسوية عادلة. الولايات المتحدة، وإن بدت مترددة أحياناً، تدرك أن غياب الأفق السياسي يُضعف مكانتها في إدارة ملفات المنطقة.
أما الاتحاد الأوروبي، فقد أصبح أكثر وضوحاً في ربط أمن إسرائيل بقيام دولة فلسطين.
وعلى المستوى الإقليمي، فإن دول الخليج، ومعها الأردن ومصر، ترى في هذا المسار حجر الزاوية في ضمان استقرار إقليمي أوسع.
يمكن القول إننا أمام لحظة مفصلية تفرض على صانع القرار الإسرائيلي مراجعة استراتيجياته الأمنية. فالمعادلة لم تعد قائمة على القوة الصلبة وحدها، بل على إدماج عنصر الشرعية السياسية.
إن بناء جدار عالٍ أو امتلاك ترسانة عسكرية متطورة لن يحقق سلاماً داخلياً طويل الأمد، بينما الاعتراف بالدولة الفلسطينية يمنح إسرائيل ما هو أعمق: القبول الإقليمي والدولي كدولة طبيعية لا ككيان دائم التهديد.
وفي الختام، إن إدراك أن الأمن الإسرائيلي يتطلب قيام دولة فلسطينية ليس مجرد طرح أكاديمي، بل هو استنتاج عملي تؤيده الوقائع الميدانية والاعترافات الدبلوماسية المتصاعدة.
فالفلسطينيون بحاجة إلى دولة تحفظ كرامتهم وحقوقهم، والإسرائيليون بحاجة إلى بيئة آمنة ومستقرة. وبين هذين المطلبين تتشكل المعادلة التي يمكن أن تنقل المنطقة من دوامة الصراع إلى أفق التسوية التاريخية وتعيد مسار الاستقرار والنماء في منطقة الشرق الأوسط وتعيد تسريع عجلة التوافقات في كافه القضايا الدولية لمسار الازدهار المستدام.

*باحث في الشأن الأمني

[email protected]