في خضم الصراعات المتلاحقة التي تعصف بالعالم العربي والإسلامي، وفي ظل الأزمات المتراكمة على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، يبرز سؤال محوري طالما تم تهميشه أو تأجيله: ما هو دور الثقافة في بناء المجتمعات وتحضر الأمم؟ وهل يمكن لأي مشروع نهضوي أن ينجح، من دون أن يكون مسبوقاً أو مصحوباً بمشروع ثقافي يعيد تشكيل العقل والوعي والسلوك؟
* أولاً: الثقافة جوهر الحضارة:
الثقافة ليست ترفاً ولا تكمِلة للمشهد الحضاري، بل هي جوهره، وهي الأرضية التي ينبني عليها كل شيء. فالثقافة ليست مجرد كتب تُقرأ أو معلومات تُلقّن، بل هي منظومة قيم وأفكار وسلوكيات تؤثر في رؤية الإنسان لنفسه وللآخرين وللعالم من حوله. ولهذا، لا يُمكن لأي أمة أن تنهض على قاعدة ثقافية هشة، ولا يمكن لأي حضارة أن تستمر ما لم تكن الثقافة جزءاً عضوياً من وجدان الناس وحياتهم اليومية.
* ثانياً: دروس من التجارب العالمية:
لعل من أوضح الشواهد على مركزية الثقافة في صناعة النهضة ما حدث في أوروبا عقب “عصر التنوير”، وما فعلته اليابان في إعادة بناء هويتها بعد الحرب العالمية، أو ما أنجزته دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة حين جعلت الثقافة محوراً للإصلاح والتنمية. فكل تلك التجارب أدركت أن بناء الإنسان هو المدخل الحقيقي لبناء الدولة، وأن الإنسان لا يُبنى إلا بثقافة تحرره لا تقيّده، وتلهمه لا تستنزفه.
* ثالثاً: مأزق الثقافة في العالم العربي والإسلامي:
لكن حين ننتقل إلى الواقع العربي والإسلامي، نجد أن الثقافة التي يفترض أن تكون المحرك الأول للتغيير، قد أصبحت – في كثير من الأحيان – عبئاً على المجتمعات لا رافعة لها.
* رابعاً: الإرث الثقافي بين المجد والانكسار:
لقد ورثنا ثقافة عظيمة صنعت حضارة عابرة للزمان والمكان امتدت من قرطبة إلى سمرقند، وأسهمت في بناء الإنسانية في شتى المجالات. كانت الثقافة الإسلامية في أوجها مشروعاً إنسانياً عالمياً مفتوحاً، يقوم على التعدد والتسامح والعقلانية والاجتهاد، ويحتفي بالعلوم والفنون والفكر والفلسفة، ويربط الدين بالمعرفة، ويعلي من شأن الإنسان وكرامته.
لكن هذه الثقافة الحية أصابها ما أصاب الأمة من انتكاس وتراجع، وأصبحت تعاني جموداً فكرياً مزمناً يقدّس التراث على حساب العقل، ومن تحزبات مذهبية عمّقت الشروخ داخل المجتمعات، ومن إقصاء للعقل والنقد لصالح النقل والتلقين، ومن تكلّس المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية التي استسلمت لآليات التكرار لا الابتكار.
* خامساً: أمراض الثقافة العربية:
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تسللت إلى بنيتنا الثقافية أمراض نفسية وأخلاقية خطيرة، أصبحت عائقاً حقيقياً أمام أي إصلاح ثقافي أو معرفي. فكم من مثقف استبدّ بفكره؟ وكم من مذهب اغترب عن مقصده وانقلب إلى هوية عصبوية؟ وكم من خطاب ديني أو سياسي توحّد مع ذاته إلى درجة التعصّب، لأنه كان انعكاساً لنفس مشبعة بالكبر، أو التسلط، أو الأنانية، أو هوس السيطرة؟
* سادساً: المنظور الإسلامي: إصلاح النفس شرط النهضة:
لقد أدرك الإسلام هذه الحقيقة بعمق منذ بداياته، فجعل من تزكية النفس شرطاً أساسياً في مشروع الإصلاح الشامل فقال تعالى: “قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها”، وقال النبي ﷺ: “أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك”.
فالثقافة في المنظور الإسلامي ليست عملية تراكم معرفي فقط، بل عملية تطهير داخلي، وتنقية للنفس من أمراضها، وترسيخ للنية الصافية، والخلق النبيل، والعدل مع الذات ومع الآخرين.
* سابعاً: الثقافة كسلوك يومي:
إلى جانب هذا البعد النفسي والأخلاقي نحتاج إلى إعادة النظر في الثقافة بوصفها منظومة قيم يومية، لا مجموعة نصوص محفوظة أو مؤتمرات موسمية. فالثقافة الحقيقية نلمسها في:
* طريقة تعامل الناس مع القانون.
* احترامهم للوقت.
* سلوكهم في الشارع.
* نظرتهم للمرأة.
* تعاطيهم مع النقد أو الخلاف.
وكما قال أحد المفكرين: “الثقافة هي ما تفعله حين لا يراك أحد، لا ما تدّعيه حين تتحدث”.
* ثامناً: إعادة الاعتبار للنخبة المثقفة:
كما ينبغي إعادة الاعتبار لدور النخبة المثقفة التي انسحب كثير منها من معركة الوعي، إما بسبب التهميش، أو الخوف، أو التماهي مع السلطة. بينما المطلوب اليوم نخبة مسؤولة، عضوية، منخرطة في الواقع، قادرة على التأثير الإيجابي في الناس لا الترفع عنهم
* تاسعاً: ملامح التحول الثقافي المطلوب:
ولتحقيق هذا التحول الثقافي الجذري، نحن بحاجة إلى:
* تحرير الفكر من القيود التقليدية، وتشجيع الاجتهاد والانفتاح والمساءلة.
* تجديد المفاهيم الكبرى (الحرية، المواطنة، العدالة، العقلانية).
* إصلاح المنظومة التعليمية والإعلامية لتصبح أدوات تحرر لا أدوات ضبط وسيطرة.
* إطلاق مراكز تفكير مستقلة ومؤثرة، تنخرط في إنتاج المعرفة لا مجرد استهلاكها.
* إحياء اللغة العربية بوصفها وعاءً للفكر الحي لا رمزاً تقليدياً ميتاً.
خاتمة:
إن الصراع في هذا العصر لم يعد مجرد صراع جيوش أو أسواق، بل صراع رؤى وثقافات بين من يملك رؤية للإنسان والعالم، وبين من يعيش في الماضي، أو يكرر ما لا يفهمه.
ولا يمكن لأي أمة أن تنهض دون وعي جمعي ناضج، ولا وعي دون ثقافة حقيقية، ولا ثقافة دون نفس مزكاة قادرة على حمل الرسالة.