يشهد العالم حراكاً استثنائياً، ليس لأنه متسارع أو لأنه يخلق مزيداً من الأزمات على مستوى العلاقات الدولية، فذلك يعتبر تجلياً طبيعياً لمسار الأحداث ولكن لأننا نعيش فعلياً اختلالاً في موازين القوى الذي تشكل بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وترسخ غداة انهيار الاتحاد السوفييتي من خلال هيمنة الولايات المتحدة على الساحة الدولية، بوصفها القطب الأوحد الذي يمتلك قدرات عسكرية وتكنولوجية خارقة وينشر قواعده عبر كل أنحاء المعمورة.
وبالتالي فإن هناك وللمرة الأولى منذ عقود، قناعة حقيقية بأن القوة الأمريكية الخارقة ليست في أفضل حالاتها وأن قوى أخرى تتزعمها الصين، بدأت في إعادة تشكيل موازين القوى على المستوى الجيوسياسي ويتسبب هذا الحراك في حدوث تشنجات وردود أفعال انفعالية وصخب إعلامي من طرف واشنطن، في مقابل هدوء ورباطة جأش وتقدم مطرد من طرف الصين.
يلاحظ المتابعون منذ سنوات عديدة علامات حقيقية لما يمكن وصفه بأفول القوة الأمريكية على الرغم من أنها لا تواجه تهديداً مباشراً يمس أراضيها بل هي التي تضايق خصومها وتمارس الابتزاز عليهم، ولا تتورع أيضاً في ممارسة أقصى الضغوط على حلفائها في القارة الأوروبية وقد بدأت هذه العلامات تتجلى بشكل واضح من خلال سلسلة من المحطات المفصلية، مثل أحداث 11 سبتمبر 2001 وإخفاقات الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط وخروجه المذل من أفغانستان وذلك علاوة على الأزمات الاقتصادية المتتالية وارتفاع مستوى الدين العام، لاسيما منذ الأزمة الاقتصادية التي اندلعت خلال الربع الأخير من سنة 2008.
وبدأ الأمريكيون يشعرون فعلياً أن ما كان يعرف «بالحلم الأمريكي» قد أصبح جزءاً من الماضي وبتنا نشهد لأول مرة هجرة عكسية من أمريكا إلى دول أخرى مثل كندا ودول غرب أوروبا، وتجد واشنطن نفسها أيضاً ولأول مرة، مجبرة على الدفاع عن الدولار أمام محاولات دول أخرى للتخلص من هيمنته على الاقتصاد العالمي.
نذكر في هذا السياق أنه سبق لمادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة أن اعترضت على وصف أمريكا بأنها الدولة صاحبة القوة المفرطة وقالت: إن بلدها أصبحت القوة الأولى في العالم وتتصدر المشهد العالمي بسبب عجز الآخرين، وبخاصة عندما طلب الأوروبيون منها مساعدتهم في الحرب العالمية الأولى واستدعوها لمواجهة هتلر في الحرب العالمية الثانية ثم لمواجهة ستالين.
ويمكن أن نلاحظ الآن أن القوة الأمريكية تتآكل من الداخل وهذا ما يجعلها تزداد عدوانية ويكثر صخبها وتتعالى أصواتها بالتهديد والوعيد ولا تترك فرصة تمر دون التعبير عن قوتها العسكرية على غرار استبدالها لاسم مؤسستها العسكرية من وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب وقد تسببت قرارتها الارتجالية وحربها الاقتصادية المعلنة ضد الجميع في إغضاب حلفائها الغربيين وفي تضييعها لحليفها الهندي الذي أصبح مستعداً لأول مرة للتحالف مع الغريم الصيني وبذلك ينطبق على أمريكا في عهد ترامب وصف «الراش الذي يرشّ نفسه».
تبدو الصين في الجهة المقابلة دولة جدية وقوية ومهابة الجانب تعمل في صمت وهدوء وتطمح مع حلول الذكرى المئوية الأولى لتأسيسها سنة 2049، لأن تصبح القوة الأولى في العالم اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً وذلك بعد أن توحّدت سياسياً في عهد الرئيس ماو تسي تونغ وتحرّرت اقتصادياً في عهد الرئيس دينغ شياو بينغ لتصل في زمن الرئيس الحالي إلى مستويات عالية من الرقي العلمي والتنظيم الاجتماعي وبالتالي فإن «العالم الصيني» كما يسميه الباحث إيف لاكوست، يمتد على نطاق واسع ليس فقط في الصين القارية ولكن في مناطق أخرى مثل الصين الوطنية في جزيرة تايوان وفي منطقة الهند الصينية التي توجد بها جاليات صينية معتبرة وبالتالي فإن النهضة الصناعية والتجارية التي تشهدها دول مثل سنغافورة وماليزيا تلعب فيها الجاليات الصينية دوراً حاسماً.
ويمكن القول إنه وبعد عقود من العمل بعيداً عن الأضواء تشعر الصين أن ساعة التعبير عن طموحاتها الجيوسياسية قد أزفت وأن عليها أن تعد العدة لكي تواجه كل التحديات وهذا ما دفع مدير «غلوبال تايمز» إلى القول: «إن الصين يجب أن تكون جاهزة معنوياً وعسكرياً للحرب» وهي بحكم تاريخها الطويل من الاستقلالية لا تريد أن تفرض نموذجها الحضاري على الغير، لكنها متمسكة بحقها المشروع في تأسيس عالم متعدد الأقطاب وفي إقامة علاقات دولية متحرّرة من الهيمنة الغربية.
وانطلاقاً من قناعتها بأن القوة الاقتصادية غير كافية إذا لم تكن مدعومة بقوة عسكرية، عملت بكين منذ سنة 2014 على وضع برنامج خاص لتسريع عملية تطوير جيشها وذلك ما بدا واضحاً للعيان خلال العرض العسكري الذي شهدته الصين يوم 3 سبتمبر/ أيلول الجاري، فقد استطاعت الصين أن تعتمد على قدراتها الذاتية من أجل تطوير جيل جديد من الطائرات المقاتلة والمسيرات وحصلت قواتها البحرية على عتاد يمكنه مواجهة الأساطيل الغربية.
وتعمل الصين أيضاً على كسب رهان حرب الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الاتصالات، باقتدار وهدوء وتعتمد على حكمة كونفوشيوسية، تستند إلى الفعل وليس على رد الفعل وعلى الممارسة العملية المبدعة بعيداً عن الخطب الاستعراضية.
[email protected]
صخب أمريكا وهدوء الصين
28 سبتمبر 2025 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 سبتمبر 2025 00:03 صباحًا
شارك