لماذا تنسحب بعض دول الساحل من المحكمة الجنائية الدولية بعد انفصالها عن «الإيكواس»، في حين تتقدم جنوب إفريقيا إلى مؤسسات لاهاي نفسها، ساعيةً إلى إنفاذ القانون الدولي؟ وكيف تتجاور في القارة عينٌ تشكِّك في حياد القضاء الدولي، وأخرى تراهن عليه لضبط القوة؟ ومن يعرِّف الجريمة، ويرسم حدود الردع، ويضع ثمن الانتماء إلى نظام متعدِّد الأطراف؟
في الساحل الإفريقي تتنامى سرديةٌ تَعُدُّ العدالة الدولية امتداداً لاختلال ميزان القوة: إجراءات لا تواكب إيقاع الميدان، وانتقائية تُضعف الوكالة الوطنية حين تبدو كأنها توجيه خارجي لمسارات الاتهام والإحالة. وإلى جانب ذلك تترسخ ذاكرةٌ سياسيةٌ تصور العدالة بأنها قوة تأتي من بعيد أكثر مما تقنع قدرتها على إنصاف قريب.
ومن هنا لا يُقرأ الانسحاب من «الجنائية الدولية» كاحتجاجٍ قانوني فحسب، بل كفصل في مشروع سيادي أوسع بدأ بتفكيك روابطَ إقليمية قديمة (مثل «الإيكواس»)، ويُستكمل اليوم بهندسة بدائل مؤسسية محلية وإقليمية: جوازات بيومترية تعيد تعريف الحدود والهويات الإدارية، وترتيبات أمنية مشتركة تُحاول ضبط أسواق العنف العابرة للدول، وتصميم أولي لمحكمةٍ إقليمية تختص بالإرهاب والجرائم الجسيمة، بما يوحي بتحويل مركز الثقل من لاهاي إلى الجوار القريب.
وهنا تُبنى الحجة على ثلاث طبقات متراكبة: طبقة التاريخ السياسي التي تُذكِّر بتجارب الانتداب والتدخل، وتُلقي ظلالها على أي سلطة فوق وطنية، وطبقة الهندسة الأمنية التي تتسم بحدود رخوة وشبكات مسلحة مرنة، تجعل «القُربى المؤسسية» ميزةً تشغيلية تَعِد بسرعة الاستجابة، وطبقة اقتصاد السياسة التي ترى أن كل غموضٍ قضائي يرفع تكلفة رأس المال، و«علاوة المخاطر» على التمويل والتأمين، وأن وضوح القواعد المحلية القابلة للإنفاذ يُخفِّض التكلفة، ويزيد القدرة على التنبؤ. ولكن وجاهة هذا المسار لا تُقاس بقدرته على استعادة «السيادة البلاغية»، بل بمدى قدرته على تركيب معيارٍ مُحكَم: اختصاص واضح، وادعاء مستقل، وقنوات وصولٍ للضحايا، وآليات إنفاذٍ عابرة للحدود تمنع انزلاق البدائل إلى هندسة حصانة بواجهة سيادية.
وعلى الضفة المقابلة تراهن جنوب إفريقيا على الوجه الآخر للعقل القضائي الإفريقي: ثقة مؤسسية بأن أدوات القانون الدولي قادرةٌ على تقييد القوة متى تحوَّلت من نصوص إلى التزامات قابلة للقياس والمتابعة. هذه الثقة ليست مزاجاً عابراً، ولا شعاراً إنشائياً، إنها نتاج ثقافة دستورية شُكِّلت فيها المحاكم كرافعةٍ للفصل بين السلطات لا امتدادٍ لها، وثمرة تقليد في التقاضي الاستراتيجي يحول الحكم القضائي إلى سياسة عامة عبر آليات: جداول التنفيذ، ومؤشرات الامتثال، وتقارير المتابعة، وآجال زمنية تُتيح قياس الأثر لا الاكتفاء بإشهار المعيار.
وعلى المستوى الدولي تنظر بريتوريا إلى لاهاي بصفتها منصةً لتوسيع دائرة الإجماع المعياري حول سلوك الدولة والحرب وحماية المدنيين، مستثمرةً تراكم السوابق بما يرفع تكلفة التعسف تدريجيّاً، ويضيق هامش المناورة خارج القانون. وهنا تعمل ثلاث دوائر متداخلة: دائرة الشرعية الداخلية التي ترى الامتثال أصلاً يعزِّز الثقة بين المواطن والدولة، ودائرة الاعتبار الخارجي، حيث يتحول الحكم إلى عملة سياسية في المساومات الدبلوماسية وشروط التعاون، ودائرة التسعير الاقتصادي التي تعكس الامتثال على تقييمات المخاطر والائتمان وأسعار التأمين، فتجعل وضوحَ القواعد واستقرارها أصلاً إنتاجيّاَ لا عبئاً دعائيّاً.
وبهذا الاتساق تتضح المقارنة من دون تبسيطٍ مُخلٍّ: في الساحل، القُربى المؤسسية ليست انكفاءً عن العالمية، بل محاولةٌ لابتكار مسارٍ يطابق الجغرافيا الأمنية، ويستجيب لإيقاعها. وفي جنوب إفريقيا تدويل المعيار ليس تفويضاً للخارج، بل توسيعٌ لسقف الحماية، وإعادة توزيعٍ مدروسٍ للقوة عبر القانون. كلاهما يبحث عن عدالةٍ «نافذة» لا «موصوفة»، ولكن أدوات النفاذ تختلف: سرعة تنفيذٍ وتكيُّف محلي في الحالة الأولى، وتراكم سوابقَ، وضبطٌ معياريُّ طويل الأجل في الثانية.
وفي الحالتين تُسعَّر الشرعية: كلما ازداد وضوح القواعد وآليات الامتثال انخفضت تكلفة التعامل، وارتفعت جاذبية التعاون، وكلما اتسعت فجوة القياس والمتابعة ارتفعت علاوة المخاطر، وتآكلت الثقة. وهكذا تُقرأ المفارقة لا كازدواجية أخلاقية، بل كخيارَي هندسة: هندسةٍ قريبة تراهن على السرعة والملاءمة، وهندسةٍ معيارية تراهن على الزمن والتراكم، والحُكم في النهاية لمدى ما تُنتجه كل مقاربة من حمايةٍ مُنجَزة للضحايا، وإنفاذٍ يُرى ويُقاس.
ومن هنا يبدأ السؤال عن المآلات لا عن النيات.
المآلات؟ ثنائيةٌ تتبلور على مستوى القارة، في الساحل إذا انتقلت «البدائل» من خطاب السيادة إلى مؤسساتٍ قابلة للمساءلة -اختصاص واضح، وادعاء مستقل، وآليات استئناف وإنفاذ، ومسارات وصولٍ للضحايا- فقد تنشأ شرعيةٌ موازية تُنافس لاهاي بالقدرة على الإنجاز. أما إذا بقيت الوعود بلا أدوات، فستكون المحصلة هندسة عزلة: منظومات بديلة بلا معيارٍ مُحكَم، وأسواقَ عنفٍ بلا قيد. وفي المقابل يُقاس رهان جنوب إفريقيا بقدرة القضاء الدولي على تحويل المعيار إلى أثرٍ مرصود: حماية شهود، وفتح ممراتٍ إنسانية، وتعديل سلوك طرفٍ أقوى، فإذا تعثر الأثر ألَا تتغذى سرديةُ الارتياب نفسها التي دفعت الساحل إلى التخارج؟
وبين المقاربتين تقف المحاكم الوطنية كحلقة اختبارٍ نهائية، هل تُستثمر اللحظة لإصلاح منظومات الإجراءات والأدلة، وتمكين النيابات، وبناء قضاءٍ متخصص بالجرائم الدولية الجسيمة؟ أم يُكتفى بخطاب السيادة من دون بنيةٍ تتحمَّل وزنه؟ إن إنشاء غرفٍ وطنية للجرائم الدولية، وتوقيع اتفاقات تسليم مُلزِمة، وتفعيل التعاون القضائي العملي، ليست تفاصيل تقنية، إنها شرطٌ لتكافؤ الشرعيات، حيث تتكلم العدالة لغةً واحدة: لغة الإنفاذ.
[email protected]
مفارقة الثقة والارتياب في العقل القضائي الإفريقي
28 سبتمبر 2025 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 سبتمبر 00:03 2025
شارك