في لحظة تبدو فيها أوروبا كجسد واحد متناغم، يتضح فجأة أن الشرايين السياسية والاقتصادية تتعرّض لضغط متزايد، وأن النسيج الذي طالما جمع القارة على الهوية والقيم المشتركة بدأ يتصدع. أوروبا التي غرست في دستورها المثالية، وفي قوانينها الطموح، وفي ثقافتها السياسية الحساسية تجاه العدالة والمبادئ، تجد نفسها اليوم أمام مرآة العواصف: انقسامات حول المناخ، صراعات حول السيادة، هشاشة في الأمن، واختلافات جوهرية في السياسة الخارجية مع القوى الكبرى. القارة التي كانت نموذجاً للتعاون الجماعي، تمر بمرحلة تشهد فيها صعود الشعبوية، تصاعد التنافس الداخلي، وتحوّل الأولويات من القيم المشتركة إلى المصالح الوطنية الضاغطة. هنا، حيث تتقاطع السياسة مع الاقتصاد، والهوية مع المصالح، والحق مع البراغماتية.
ففي وقت تتباطأ فيه منطقة اليورو تحت وطأة الرسوم الجمركية والاضطرابات السياسية، تبدو «أوروبا الخضراء»، التي طالما احتضنت اتفاق باريس، أكثر انقساماً من أي وقت مضى، وهي على أعتاب قمة البرازيل للمناخ. بين عواصم تدفع باتجاه تشديد السياسات البيئية كألمانيا، فرنسا، ودول الشمال مهما كلّف ذلك اقتصادياً، وأخرى تطالب بمرونة أوسع خوفاً من أثمان اجتماعية واقتصادية باهظة، كإيطاليا وبولندا وهنغاريا واليونان ينكشف الشرخ العميق بين التيارين: تيار يرى المناخ أولوية وجودية لا تقبل التأجيل، وآخر يراه عبئاً يهدد لقمة العيش والنمو.
وفي ميدان السياسة الخارجية، يتوزع الموقف من الاعتراف بفلسطين بين دول تعتبره واجباً أخلاقياً وخطوة سياسية لكسر الجمود، وأخرى تتحفّظ وتربطه بمسار تفاوضي متكامل. وبينما تتحرك بعض العواصم منفردة مدفوعة بالضغط الشعبي والالتزام الأخلاقي القانوني، تتمسك أخرى بإطار جماعي يوازن بين المبادئ والاعتبارات الاستراتيجية في علاقاتها مع إسرائيل وواشنطن. هنا أيضاً ينكشف الانشقاق، فتبدو القارة معلّقة بين منطق المبادئ ومنطق المصالح.
أما الأمن، فهو المعضلة الكبرى. ففي وقت ترى بعض الدول الأوروبية أن الحماية لا تأتي إلا عبر الناتو وواشنطن، تدفع دول أخرى، نحو «الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي» لئلا تبقى القارة رهينة تقلبات البيت الأبيض، أو أسيرة نتائج الانتخابات الأمريكية التي قد تعيد شخصيات تهدد بالتزامات واشنطن تجاه الحلف. وهكذا، يتجسد الصراع بين من يرى أن المظلة الأمريكية لا بديل عنها في المدى المنظور، ومن يطمح إلى ذراع عسكرية أوروبية قادرة على حماية القارة بقرار سيادي مستقل.
والمشهد أكثر تعقيداً في العلاقة مع روسيا. فبين دول ترى أن السبيل الوحيد هو الحزم: دعم عسكري بلا حدود لأوكرانيا وعقوبات مشددة ضد موسكو، تدعو أخرى إلى حلول وسطية تتيح مخرجاً تفاوضياً يحفظ الاستقرار ويحمي الاقتصاد من تداعيات العقوبات والطاقة ليكون أكثر ميلاً إلى البراغماتية، وهنا ينقسم البيت الأوروبي بين خيارين: هزيمة روسيا عسكرياً أو احتواؤها عبر تسوية طويلة النفس.
وبينما تنقسم القارة حول موسكو، يتكرّر المشهد مع بكين: ضغوط أمريكية تدفع باتجاه التعامل معها كمنافس استراتيجي يجب تقليص نفوذه، فيما تراها دول أخرى شريكاً لا غنى عنه لصناعاتها، خاصة في السيارات الكهربائية والتكنولوجيا المتقدمة. أوروبا هنا أيضاً واقفة على مفترق، بين الحذر الاستراتيجي والبراغماتية الاقتصادية.
غير أن الشروخ لا تقتصر على السياسات العليا، بل تتسرب إلى الداخل عبر صعود الشعبوية. أصواتها تتردّد من براغ إلى بودابست، ومن روما إلى وارسو، فيما تتعزز مواقعها في باريس وبرلين وأمستردام وستوكهولم ومدريد. ففي التشيك، يبرز حزب أندريه بابيش على رأس المنافسة في الانتخابات المقبلة، مستفيداً من خطاب السيادة الوطنية والرفض الجزئي للضغط الأوروبي، وبالتركيز على الأزمات الاقتصادية والطاقة.
وفي بودابست، يواصل فيكتور أوربان قيادة حزب فيدس معتمداً على القومية المحافظة والشعبوية المركزية، مع موقف مرن نسبياً تجاه روسيا والصين لحماية مصالح المجر الاقتصادية. أما في إيطاليا، فتقود جورجيا ميلوني وحزبها المشهد السياسي بخطاب قومي محافظ يعيد تشكيل السياسات الداخلية والخارجية، وفي بولندا، يعزز حزب القانون والعدالة اليميني المحافظ موقفه عبر التركيز على الهوية الوطنية والرفض الجزئي لسياسات الاتحاد الأوروبي.
وفي دول أخرى أبلت الشعبوية بلاء حسناً، في باريس يهيمن حزب التجمع الوطني لمارين لوبان على الخطاب المعارض للمركز، وفي ألمانيا يتقدم حزب البديل من أجل ألمانيا، فيما تتصدر الأحزاب الشعبوية الهجومية المشهد في هولندا مع خيرت فيلدرز، وفي السويد وإسبانيا والبرتغال واليونان، حيث تستثمر الشعور بالاغتراب السياسي والاقتصادي لتعزيز وجودها. الأحزاب الشعبوية تقوض المركز وتعيد تشكيل المزاج العام، مدفوعة بخطاب الهوية والسيادة والاعتراض على الهجرة بصوت حاد وعلى مؤسسات الاتحاد بصوت خافت.
هكذا تقف أوروبا اليوم، كعملاق يتأرجح على حافة الريح، أمام لوحة مشققة من القرارات والتحديات. بين منطق القيم ومنطق المصالح، بين الطموح الأخضر والهاجس الاقتصادي، بين التبعية لواشنطن ورغبة الذات الأوروبية في الاستقلال الاستراتيجي، وبين صرامة الموقف من روسيا وحسابات الاستقرار، وصورة الصين المتقلبة بين تهديد وشريك، تبدو القارة عالقة في دوامة لا تهدأ.
الانقسامات هي رياح عاتية تهز أشرعة الاتحاد، وتختبر مدى صلابة بنيانه الداخلي. وفي هذا البحر المضطرب، يبقى السؤال الأكبر يلوح في الأفق: هل ستتمكن أوروبا من أن تصنع من التصدع قوة، وتحوّل عواصف الانقسام إلى شراع موحّد يقيها من الانجراف، أم ستظل قارة متفرقة، تتقاذفها التيارات المتعارضة، تبحث بلا هوادة عن هويتها وسط صخب العواصف، متسائلة: أين المصير، وأين الأمان، وأين القائد الذي سيعيد لها تناغمها المفقود؟

[email protected]