د.عبدالله السويجي
لسنا هنا في صدد رصد الدول الأوروبية التي اعترفت بدولة فلسطين، أو الأسباب التي دفعتها لذلك الاعتراف، أو الهدف من ورائه، لكن لا بأس من الإشارة إلى أن السويد كانت أول دولة أوروبية تعترف بدولة فلسطين، وكان ذلك في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2014، والآن، وحتى شهر سبتمبر/ (أيلول 2025 هناك 149 دولة تقريباً اعترفت بدولة فلسطين، من بينها دول كبرى مثل فرنسا وبريطانيا وكانت الاعترافات لأسباب مختلفة، بعضها يقف إلى جانب الحق الفلسطيني وبعضها يفعل ذلك في الظاهر ويدعم إسرائيل في الباطن.
ولا بأس من الإشارة إلى الإعلان الفرنسي على لسان الرئيس الفرنسي إيمانيول ماكرون الذي يقول: «وفاءً بالتزامها التاريخي بسلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، قررت أن تعترف فرنسا بدولة فلسطين. سأعلن ذلك رسمياً خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل». وحدّد ماكرون شروطاً واضحة للاعتراف تشمل: نزع سلاح حماس العسكري وتأمين غزة وإعادة بنائها/ قبول الدولة الفلسطينية بنزع سلاحها والاعتراف الكامل بإسرائيل/ المساهمة في أمن الجميع في الشرق الأوسط/ تنفيذ وقف إطلاق النار فوراً وإطلاق سراح جميع الأسرى.
واعترف بدولة فلسطين، ولكننا لا نعرف إن كانت الدولة الفلسطينية قد وافقت على نزع سلاحها (هي في كل الأحوال دولة من دون سلاح)، بينما تبادلت إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية الاعتراف بعد اتفاقية أوسلو..
وهكذا نجد أنفسنا متورطين في رصد النوايا، انطلاقاً من غرابة القرارات والسلوكيات السياسية، فمثلاً، كيف ستتصرف بريطانيا التي منحت فلسطين من خلال وعد بلفور للإسرائيليين، في حال أقدمت إسرائيل على وضع الضفة الغربية تحت السيادة الإسرائيلية، أو أقدمت إسرائيل على احتلال قطاع غزة والبقاء فيه، ألا يجب أن تدافع بريطانيا عن هذه الدولة التي اعترفت بها؟
وهنا تكمن المفارقات وتفرض الأسئلة نفسها على الجميع: هل الاعتراف بدولة فلسطين هو إجراء عاطفي أم دبلوماسي مع وقف التنفيذ؟ أم أنه اعتراف يشبه اعتراف 149 دولة، لم تستطع حتى الآن وقف الحرب في قطاع غزة؟ وهذا يعني أن الاعتراف لا يغني ولا يسمن من جوع، فهو مجرد إجراء دبلوماسي بروتوكولي تنفيسي للشعوب المنتفضة، ولا يحمّل الدول أي مسؤوليات تجاه الفلسطينيين.
النقطة الأخرى هي: ما هي حدود هذه الدولة الفلسطينية التي اعترفت بها حوالي 14 دولة أوروبية حتى الآن، سيقول قائل، إنها حدود ما قبل حرب 1967، وإجابة هذا القائل ستبقى غامضة من دون ترسيم الحدود واعتراف الدول الكبرى بهذه الحدود وتسجيلها في منظمات الأمم المتحدة المعنيّة ومجلس الأمن، وإقامة دولة ذات سيادة، بحدود برية وبحرية وجوية، ومؤسسات وعملة وعلم ونشيد وطني ونظام مالي وغيرها.
ومع هذا كله يبقى الاعتراف ناقصاً من دون ذكر عاصمة هذه الدولة، ومن دون تأكيد حق العودة للاجئين الفلسطينيين، بل ومن دون دفع تعويضات على استثمار الأراضي التي استولت عليها إسرائيل وتعود للاجئين.
لا أدري إن كانت عبارة الاعتراف الوجداني بدولة فلسطين، صحيحة، لكن ما يجب أن يعرفه المواطن الفلسطيني والعربي وكل من يهمه الأمر، سبب كل دولة وشروطها للاعتراف بدولة فلسطين، ومن يريد أن يعرف يمكنه التوجه للسيد غوغل أو الذكاء الاصطناعي، وسيكتشف الأسباب.
إن هذه الاعترافات ستضيف أعباء على المؤسسة المالية الفلسطينية، عن طريق افتتاح سفارات وتعيين سفراء، وستعمل على الانفلاش الوظيفي والتضخّم الوظيفي من دون طائل، في الوقت الذي تعتمد ميزانية السلطة الوطنية على الدول المانحة، وتتعرض الأموال الواردة للفساد أحياناً.
وفي الواقع، فإنّ فتح سفارات فلسطينية كمن يضع العربة أمام الحصان، أي سفارة من دون دولة، والغريب الذي علمت به مؤخراً من أحد الأصدقاء الفلسطينيين، أن السفارات الفلسطينية في الدول العربية وغيرها، تصدر جوازات سفر للاجئين الفلسطينيين غير صالحة للعودة إلى فلسطين، أي لأراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، بينما يستطيع حامله السفر إلى معظم البلدان، وهذه مخالفة قانونية ودبلوماسية، ولو تنتبه الدول الأجنبية لهذا الإجراء لما منحت حامل جواز السفر أي تأشيرة، لكن كما يبدو، تعلم تلك الدول بهذه المعلومة و(تطنّش).
كثيرون يتحدثون عن إيجابيات اعتراف الدول الأوروبية بدولة فلسطين، وينظرون إلى هذا الإجراء على أنه تغيير في السياسة الأوروبية تجاه الإسرائيليين، ويفيد الاعتراف في التفاوض مع الإسرائيليين، كما أنه يعزّز الهوية الوطنية ويبعث الأمل بحل الدولتين، في الوقت الذي يكرّر نتنياهو رفضه إقامة دولة فلسطينية، ويفكّر في إلغاء السلطة القائمة في الضفة الغربية وقطاع غزّة.
نحن بالتأكيد، لا نريد تحميل الدول الأوروبية التي ستصبح (صديقة) للفلسطينيين، مسؤوليات كبيرة، ولا نتوقع منها مواقف كبيرة ومؤثرة لأسباب كثيرة، من بينها وقوعها تحت النفوذ الصهيوني، إضافة إلى أنه في ظل النظام الداخلي الحالي لمجلس الأمن، لن تستطيع هذه الدول فعل أي شيء. ويبقى أن على الفلسطينيين والعرب الاعتماد على أنفسهم ولا يبتهجوا كثيراً باعتراف الآخرين.
[email protected]