هل السياسة دبلوماسية وفن؟ هل هي وعي يتناسب ومتطلبات الأوضاع الجارية في العالم، أم فرض الأمر الواقع، وسلطان القوة والجبروت؟
هل في السياسة أخلاق وقيم وأعراف تحدد اللغة ومفاهيمها وحدودها ومعطياتها بين الدول، أم مجرد حفرة عميقة يتم إلقاء كل الجوانب الإنسانية والأخلاقية فيها لمجرد تحقيق المراد من دول تدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة والعدالة؟
هذا ما مر بذهني وأنا أتابع تصريحات المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط توم باراك التي قال فيها: «لا يوجد شرق أوسط، بل قبائل وقرى».. إن الدول القومية في المنطقة نشأت عبر البريطانيين والفرنسيين عام 1916 باتفاقية «سايكس بيكو» وكان الاستعمار أساس كل شيء من دون وعي أو مرجعية يجب أن يتمتع بها أي دبلوماسي في تاريخ أي منطقة يتعامل معها، متناسياً أن من يدعي أنهم مجرد «قبائل وقرى» لهم جذور ضاربة بالأرض، وأن «سايكس بيكو»، تاريخ مظلم من تاريخ الأمة العربية.
هذه النظرة الدونية والتعالي والغطرسة لا تدل على وعي بالدبلوماسية أو التحضر في التعامل، لكنها حقبة لا ترى إلا بعين واحدة فيها من الفقر الشديد في فنيات التعامل بين الدول خصوصاً في ما يصطلح على أنها حليفة، وكأن حليفة تعني لديهم الاستغلال والنهب وضخّ الأموال في جيب الولايات المتحدة وليس غيرها قط.
لغة تهديد ووعيد.. تعالٍ وغطرسة.. يغلب عليها عدم الاحترام، فقد سبق لهذا المبعوث إهانة الصحفيين اللبنانيين خلال المؤتمر الذي عقد في القصر الرئاسي في أغسطس الماضي، حيث وصف سلوكهم بأنه فوضوي وحيواني، داعياً إياهم «للتصرف بتحضر، ولطف، وتسامح، لأن هذه هي المشكلة في ما يحدث في المنطقة». متناسياً أن من يلقي القنابل على غزة ويقتل الأطفال والشيوخ والنساء ويهدم البيوت والمستشفيات والمرافق ويعتدي على الدول ويستبيح سماءها وأرضها وبحرها هي إسرائيل وليس غيرها.
تبدو هذه هي لغة الولايات المتحدة في منطقتنا العربية وقضايانا المصيرية التي لا ترى إلا بعين شوهاء أو عمياء أو مصلحة خاصة لا تصب في مصالحنا في كل الأحوال، ولا تنظر إلينا سوى مجرد قبائل وقرى.
لغة المبعوث الأمريكي الذي لم يعمل من قبل في الدبلوماسية ولكن في الأموال والأعمال، تحتاج إلى تشذيب، لأنها لغة استعلاء وفوقية، ويتصرف كأنه هو المعلم ونحن في المدارس الابتدائية أو دور الحضانة.