الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

لا أعرف

31 أكتوبر 2026 00:34 صباحًا | آخر تحديث: 31 أكتوبر 2026 00:35 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
ما إن يُفتح في أحد المجالس موضوع طبي حتى يتحول بعض الحاضرين إلى أطباء، وإذا انتقل الحديث إلى الاقتصاد ظهر المحللون، أما التربية والعلاقات الزوجية، فلكل شخص فيها وصفته الخاصة وحلّه الجاهز، وقد يتحدث أحدهم بثقة كبيرة في موضوع لا يعرف عنه إلا القليل، بينما يتردد آخر في المشاركة لأنه غير متأكد من معلوماته، والمفارقة أن الأول قد يحظى بإعجاب الحاضرين، فيما يُنظر إلى الثاني أحياناً على أنه أقل معرفة.
لا مشكلة في تبادل الآراء والخبرات، فالمجالس كانت ولا تزال من أهم مساحات الحوار والتعلم في مجتمعنا، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الرأي إلى معلومة مؤكدة، والتخمين إلى حقيقة، والثقة بالنفس إلى بديل عن المعرفة، والأخطر أن المعلومة الخاطئة لا تتوقف دائماً عند صاحبها، فقد ينقلها آخرون بحسن نية، ويستندون إليها في قرارات قد تخص حياتهم.
نحن لا نخاف دائماً من ألا نعرف، بقدر ما نخاف أن يكتشف الآخرون أننا لا نعرف، لذلك يفضّل بعضنا تقديم إجابة غير دقيقة على الاعتراف بعدم المعرفة، ولعل ذلك يعود إلى أننا اعتدنا ربط الثقافة بسرعة الإجابة، فأصبح من يتحدث في كل موضوع يبدو واسع الاطّلاع، بينما قد يواجه من يقول «لا أعرف» انتقاداً أو نظرة استغراب.
وفي بيئة العمل مثلاً، قد يتلقى موظف مهمة لا يفهم تفاصيلها، لكنه يخشى طلب التوضيح حتى لا يبدو قليل الخبرة، فينفذها بناء على فهم خاطئ، وربما كان يمكن تجنب الخطأ كله بسؤال بسيط، وهنا لا تكون المشكلة في الموظف وحده، بل في بيئة عمل جعلته يخشى السؤال.
ومن المهم أن نعيد النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع من يعترف بحدود معرفته، فلا ينبغي أن نعتبر سرعة الإجابة دليلاً على الثقافة، أو أن نرى في التردد وطلب التوضيح علامة على قلة الخبرة، فاحترام الصراحة وتشجيع السؤال يمنحان الإنسان ثقة أكبر في التعبير عما يعرفه وما يجهله، ويفتحان أمامه فرصاً أوسع للتعلم واكتساب المعرفة.
ولا يعني ذلك أن يمتنع الإنسان عن إبداء رأيه إلا إذا كان متخصصاً، فالتجارب الشخصية لها قيمتها، والنقاش يفتح أبواب المعرفة، لكنّ هناك فرقاً بين أن تقول «أعرف» وأن تقول «أظن» وأن تقول «سمعت» فلكل عبارة معناها ولا يصح أن نقدمها جميعاً بالثقة نفسها.
وأخيراً ما نحتاج إليه ليس أن نتعلم قول «لا أعرف» فحسب، بل أن نحترم من يقولها ونقدّر صراحته.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة