لم يشفع لنتنياهو حشد بعض مؤيديه لتشجيعه والتصفيق له، تعويضاً عن انسحاب معظم الوفود من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع بدء إلقاء خطابه من على منبر الهيئة الدولية، ولا محاولته إطلاق بعض النكات التي لم تلق أي استجابة من الحاضرين، تساعده على التخلص من قسوة الفراغ والعزلة التي وجد نفسه فيها.
والأسوأ أن ما حمله خطابه من مغالطات وحتى أكاذيب مكشوفة وقلب للحقائق، وحيل مستهلكة، لم يقنع أحداً لا من الحضور، وهم من تبقى من الحلفاء والمؤيدين، ولا من الإسرائيليين أنفسهم. ولكن من دون الخوض في تفاصيل هذه المغالطات والأكاذيب، فإن الأمر يستدعي التأشير لبعضها، على الأقل، من نوع أن الفلسطينيين هم من كان يرفض الدولة، مع أنه ظل يردد مراراً وتكراراً بأنه كرّس حياته لمنع إقامة دولة فلسطينية. أو محاولة التنصل من الإبادة والتجويع في غزة، متذرعاً بأن جيشه الوحيد في العالم الذي يطلب من الفلسطينيين إخلاء منازلهم والتوجه إلى مناطق إنسانية وهمية لم تكن سوى مصائد للتهجير والموت، أو إعطائه الأوامر شخصياً بهدم غزة من جذورها. أو إنكار المجاعة والادعاء بأن حكومته قدمت ملايين الأطنان من الطعام والمواد الغذائية للفلسطينيين، متجاهلاً الحصار المطبق وشهادات المنظمات الدولية والأممية، بل متجاهلاً تصريحاته وتصريحات وزرائه السابقة، بقطع الغذاء والماء والكهرباء عن قطاع غزة.
هذا الاستخفاف بعقول العالم وإدارة الظهر للمجتمع الدولي لا يلغي حقيقة أن نتنياهو مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب «جرائم حرب»، ولا يلغي حقيقة أنه تسلل عبر أطراف الأجواء الأوروبية في طريقة إلى نيويورك، خشية الوقوع في مصيدة الاعتقال في إحدى الدول الأوروبية. ولا يلغي الخوف من تسونامي الاعترافات الغربية بالدولة الفلسطينية من أقرب حلفاء إسرائيل، وإن حاول تقديم ادعاء ساذج بأنها جاءت نتيجة تنامي التطرف الإسلامي.
الحقيقة التي يختبئ وراءها نتنياهو تستند إلى عناده الشخصي وإصراره على رفض أية تسويات أو حلول سياسية تعطي الفلسطينيين بعضاً من حقوقهم المشروعة وتعيد الهدوء والأمن والاستقرار للمنطقة، حتى لو وصل به الأمر إلى مواجهة العالم بأسرة. هذا يعني أن ما يفعله نتنياهو، ليس سوى تعبير عن أزمة حقيقية وشعور بالعزلة يعيشها، وتعيشها معه إسرائيل، ظهرت جلية وواضحة، من على منبر الأمم المتحدة.
أما التفاخر ببعض الإنجازات التي تحدث عنها هنا وهناك فليس سوى محاولة للتغطية على الفشل الذي حصده في كل الاتجاهات.، ذلك أنه لم يستطع إقناع العالم الخارجي بسرديته المضللة، ولا إقناع الإسرائيليين أنفسهم، الذين لم يترددوا في اتهامه بأنه منفصل عن الواقع، أو كما عبر بعضهم بأن العالم شاهد رئيس وزراء إسرائيلي متعباً ومتذمراً يتباكى، وقدم خطاباً مملوءاً بالحيل المستهلكة، من دون أن يقدم خطة لإعادة الأسرى، أو طريقة، لإنهاء الحرب المستمرة منذ سنتين، ومن دون أن يوضح لماذا لم يتم حسمها وتحقيق أهدافها حتى الآن؟.

[email protected]