ربما يكون العمل العربي المشترك، بشهادات ووقائع كثيرة قديمة وحديثة، هو الأصعب من نوعه على مستوى التعاون بين دول أي إقليم أو منطقة في العالم. ورغم كل القواسم المشتركة بين دولنا، إذا ما قورنت بمثيلاتها في أي بقعة أخرى، فإن تحقيق الإجماع فيها، أو الاتفاق في حدوده الدنيا، دائماً ما يستلزم جهداً جباراً، إما لطبيعة الأشخاص الفاعلين في العمل العربي في فترة ما، وإما لغياب الرؤية الموحدة تجاه القضايا في بعض الأحيان، وقدرة دول قليلة فقط، في أغلب الوقت، على تقديم مقاربات تبدو صادمة للأطراف الشعبوية ومخالفة للخطابات الزاعقة ليل نهار من دون إسهام حقيقي لأصحابها.
من هنا، قد تكون المرارة المغلفة للتسجيل المذاع حديثاً للزعيم الراحل جمال عبدالناصر طبيعية، والأهم أنها تؤكد في مجملها صعوبات العمل العربي المشترك، من دون تبنٍّ لأي آراء وردت على لسانه تخص مسؤولين عرباً أو دولاً، فهم غائبون مثله ولا يزالون جميعاً أمام محكمة التاريخ التي تتأرجح في تقييمهم بين أقصى اليمين وأقصى اليسار في غياب تدقيق حقيقي للوقائع.
مرارة عبدالناصر التي تضمنها تسجيله المذاع في ذكرى رحيله الخامسة والخمسين ليست جديدة، فمثلها ظهر في تسجيل آخر أذيع قبل شهور، وهي، مرة أخرى، ليست للاستدلال على تقصير طرف أو الانتصار لغيره، إنما قد يكون فيها ما يعزّي أصحاب مواقف عربية حالية يرى أصحابها أنها تخدم المصالح العربية بما فيها من واقعية ومواجهة، وإن خالفت جبهات التجييش والتخوين وتسجيل المواقف في الإعلام من دون مد اليد بعمل جدّي.
محور مرارة عبدالناصر، ومن يشعر بمثلها الآن، هو القضية الفلسطينية الموصوفة بالمركزية في ملفاتنا وحولها تدور بقية القضايا والصراعات في المنطقة وتنشدّ إليها، وإن بدت في الظاهر غير ذلك.
من الأفكار الأساسية في أحدث تسجيلات عبدالناصر، وهو ما اعتبره بعضهم صادماً، تفضيله الحل الدبلوماسي في الصراع مع إسرائيل إذا توفر لذلك غطاء دولي يعيد الحقوق، ووقتها كان بعض الحقوق يخص مصر بعد هزيمة 1967، والتعامل بواقعية مع القضية الفلسطينية بعيداً عن صيحات الحرب المستندة إلى ما لا يمكن تطبيقه على الأرض، والمزايدة التي لا تكلّف أصحابها شيئاً.
مات عبدالناصر، وتبدلت الوجوه الفاعلة في المنطقة، وشهد الصراع مع إسرائيل جولات عدة، وتطورت تفاصيل القضية الفلسطينية إلى ما نراه اليوم. ورغم ذلك، لا يزال لمرارة بعض لدول العربية ما يبررها مع استمرار المزايدات التي لا تترك موقفاً، فلا ترى أملاً في الحل الدبلوماسي الذي كان خياراً مقبولاً بشروطه قبل خمسة وخمسين عاماً في أوراق عبدالناصر، ولا تقدم ما يدعم المضي إلى حرب تعتبرها أسهل من التدوين على مواقع التواصل أو مغازلة المتحمسين لمواجهات سيكونون أول المتخلّفين عنها.
يبدو أن المرارة والمزايدة من أقدار العمل العربي المشترك، لكن الجهود المخلصة لا تتوقف عندهما.
مرارات العمل العربي
30 سبتمبر 2025 00:19 صباحًا
|
آخر تحديث:
30 سبتمبر 2025 00:19 صباحًا
شارك