يوشك التوتر بين روسيا و«الناتو» على بلوغ نقطة الانفجار في الفضاء الأوروبي، مع انتشار حرب إعلامية واسعة النطاق، واستعدادات دفاعية لمواجهة طائرات مسيرة مجهولة تجوب الأجواء وتعطل المطارات الكبرى، ووضعت موسكو في دائرة الاتهام، وهو ما فجّر موجة تهديدات وصلت حد التلويح بالتدمير الشامل.
كل هذا التصعيد، يتصل بمجريات الحرب في أوكرانيا، وما تشهده من تنامٍ للسيطرة الروسية على مزيد من الأراضي في شرق البلاد، بالتزامن مع تعثر جهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إنهاء الصراع، رغم تعهداته الكثيرة ولقائه واتصالاته الهاتفية المتكررة بنظيره الروسي فلاديمير بوتين.
وكان واضحاً منذ البدء، أن فرصة ترامب محدودة في إحداث اختراق، لأن المعركة أكبر من نزاع بين دولتين، روسيا وأوكرانيا، بل هي مواجهة جيوسياسية بين روسيا والغرب، ولن تنتهي إلا بتوافق الطرفين على شروط محددة، وتقييم للمكاسب والخسائر، وما لم يتحقق ذلك فإن هذه الحرب ستستمر، وقد تمتد إلى أسوأ السيناريوهات الممكنة، بالنظر إلى ما يخيم عليها من وعيد وتهديدات لم تعرفها أوروبا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
في الأسابيع الأخيرة، بدأت قواعد الاشتباك الموروثة عن الحرب الباردة تتفكك، مع زيادة الحوادث المتكررة والخروقات في الجو والبحر، ولا سيما في بحر البلطيق، لترسم واقعاً مقلقاً وغير قابل للتنبؤ، ويتجاوز كثيراً من الخطوط المحرمة، ومنها أن الحديث عن مواجهة عسكرية مباشرة بين روسيا وحلف «الناتو» أصبح فرضية قائمة، ما يضع أوروبا على حافة حرب حقيقية.
وقبل أيام قليلة، صرح نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي ديمتري ميدفيديف أن أوروبا لن تستطيع مواجهة أسلحة روسيا المدمرة، ملمحاً إلى أن أداء بلاده العسكري في أوكرانيا لا يعكس قوتها الحقيقية، ويبدو أن هذا التهديد لم يتركه ترامب يمر من دون أن يعقب عليه بقوله إنه يشعر بتهديد من روسيا، وإنه لا يريد استخدام الأسلحة النووية. ولا شك أن مثل هذه التصريحات لا تأتي من فراغ، بل هي نتاج احتقان فعلي وانسداد للأفق في العلاقة بين المعسكر الغربي وروسيا، التي لا يبدو أنها مستعدة لتقديم تنازلات عما تراه مصالح تاريخية وأهدافاً استراتيجية في محيطها الأوروبي.
المستشار الألماني فريدريش ميريتس وعدد من القادة الأوروبيين حاولوا مرات كثيرة الإيحاء بأن بلدانهم ليست في حالة حرب مع روسيا، وليست في سلام أيضاً. وهذا الشعور ليس طبيعياً، وسبق أن عاشته أوروبا عشية الحربين العالميتين الأولى والثانية، ويفترض ألا تعيشه مرة ثالثة، لأنه ينذر بالأسوأ، والمشكلة ليست في روسيا وحدها، بل في القادة الغربيين الذين لم يفارقوا النظرة التقليدية إلى الأطراف الأخرى، باعتبارها قوى قاصرة وغير ديمقراطية وتنتهك حقوق الإنسان، ولا يستثنون من هذه النظرة روسيا، التي هي في الأساس دولة أوروبية ومؤسسة للنظام الدولي وتمتلك أكبر ترسانة نووية على الإطلاق.
قبل سنوات من الآن، وقبل الحرب الدائرة في أوكرانيا، قال بوتين إنه «لا معنى للعالم من دون روسيا»، في إشارة واضحة إلى أن بلاده تتعرض للتهديد، ويحاول خصومها إقصاءها من مركزية النظام الدولي. وهذه الخلفية قد تفسر كل هذا التوتر في أوروبا، وتؤكد مرة أخرى تعذر إنهاء حرب أوكرانيا، التي ستظل مجرد معركة، في انتظار الآتي.