يذكر أغلب أبناء جيلي وقت الدراسة الجامعية قبل عقود، أن السائد وقتها كان مقولات اليسار السياسي وأفكاره باعتبارها مسار التقدمية والتنمية المستقلة. وربما كان الأساس في التفكير لدى كثيرين وقتها، أن الاقتصاد يمكن أن يفسر كل شيء من السياسة إلى العسكرية مروراً بالأدب والفن والأخلاق والسلوك. ولم يكن متاحاً للجميع الانكشاف على طرق التفكير المضادة التي تسود في الديمقراطيات الرأسمالية الغربية.
تغير العالم منذ ثمانينات القرن الماضي وسهّل الإنترنت ووسائل التواصل التكنولوجية انتشار كل الأفكار حتى الملفقة والمضللة منها. وأصبح عالم الأفكار يتسم بالسيولة إلى حد الميوعة، وأدت الوفرة إلى انتشار السطحية والاستسهال.
هذه المقدمة لمحاولة استعراض ما يحدث حالياً في الدول الرأسمالية الكبرى من حملة السلطات على كبار السن في المجتمع واستهداف صناديق معاشات التقاعد إلى تخفيف حدة أزمات مالية أدت إليها السياسات الرسمية أو استغلالها في دعم توجهات اقتصادية وسياسية.
لطالما كنا في بلادنا نحسد الناس في بلاد الخواجات على أن لديهم أنظمة رعاية وطنية وشبكة أمان اجتماعي تحمي الطبقات والشرائح المجتمعية الأقل حظاً. ورغم الشحن الأيديولوجي عن «الرأسمالية المتوحشة» وما شابه، كانت الجماهير العادية تقيس الأمور بمستوى معيشة الفرد من ناحية، وبما يتوفر من أسباب الأمان للمتقاعدين من كبار السن، سواء من معاشات تقاعدهم في عملهم أو معاشات التقاعد التي تقدمها الدولة عبر صناديق أسهموا فيها في سنوات العمل قبل التقاعد.
غالباً ما كان اليمين السياسي والتيارات المحافظة في الدول الغربية متهمة بأنها «ضد كبار السن المتقاعدين»، وتسعى عند وصولها إلى الحكم للنيل من حقوقهم بشتى الطرق. الآن نجد الأحزاب والتيارات اليسارية والليبرالية، أو من كانت كذلك من قبل، تزايد على المحافظين واليمين في محاولة النيل من حقوق كبار السن والمتقاعدين.
حالياً تقرأ كل فترة عناوين في الصحف البريطانية لتقارير ومقالات من قبيل «لماذا يكرهون كبار السن؟»، أو عن سعي حكومات غير يمينية للتغول على حقوق المتقاعدين. صحيح أن بريطانيا خرجت من الاتحاد الأوروبي للتحرر من أغلب القواعد والقوانين المنظمة للمجتمع، وبالتالي تجد حكوماتها فرصة لسن قوانين لا تتسق مع الوضع الأوروبي العام. بل وربما تحاول أيضاً تقليد ما يقوم به الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإدارته من محاولة «سطو» على تريليونات صناديق معاشات التقاعد في الولايات المتحدة لتوجيه أموالها تلك نحو وجهات استثمارية تتوافق مع سياسات إدارته.
لكنّ الوضع ليس بالجيد أيضاً في بقية الدول الأوروبية التقليدية من فرنسا إلى إيطاليا مروراً بألمانيا. قد لا تكون تلك الدول شرعت بعد في هيمنة الخزانة العامة على مسار تريليونات صناديق معاشات التقاعد، لكنّ هناك «تغولاً غير مباشر» يتمثل في خفض الميزات المقدمة من الدولة لكبار السن وغيرهم من الشرائح الضعيفة. رغم أن هؤلاء الكبار دفعوا مقدماً عبر أقساط التأمينات الاجتماعية مساهمات صناديق معاشات التقاعد مقابل تلك الخدمات. لكنّ عجزَ الميزانية والكم الهائل من الدين العام وتكاليف خدمته تجعل حكومات تلك الدول تعمل على سد تلك الفجوات من أي مصدر متوفر حتى لو كان على حساب حقوق بعضهم. وفي رفع سن معاش التقاعد من ستين عاماً إلى أكثر بسنوات (وصل في بريطانيا إلى 67 وعلى وشك أن يصبح 69) تغول غير مباشر على حقوق كبار السن المتقاعدين.
المسألة ببساطة ليست من قبيل التكافل الاجتماعي الذي قد نعرفه في مجتمعاتنا الشرقية أو عدالة توزيع الثروة القومية على المواطنين لتقليل الفوارق بين الأثرياء والأشد فقراً. وإنما هي أموال مستحقة دفعت مقدماً لتستثمر في صناديق معاشات، أي أن الأمر «رأسمالي» تماماً ولا اشتراكية فيه ولا تعاضد مجتمعياً شرقياً ولا هم يحزنون.
تبرر الحكومات رفع سن التقاعد بأن متوسط العمر يرتفع نتيجة تحسن الأوضاع الصحية، إلا أن الإحصائيات والدراسات الداعمة لذلك ليست دقيقة تماماً. أما إلغاء بعض الميزات مثل «دعم الوقود» في الشتاء للطبقات الفقيرة وأغلبهم من كبار السن المتقاعدين، فالحجة هي أن ذلك ضروري لضبط المالية العامة للدولة.
والجديد والمثير هو تدخل الدولة في طريقة إدارة صناديق معاشات التقاعد وتوجيه استثماراتها بما يحفظ حقوق المساهمين فيها من أرباب معاشات التقاعد. تريد إدارة ترامب مثلاً توجيه القدر الأكبر من نحو 30 تريليون دولار من أموال المتقاعدين إلى الاستثمار في أصول عالية المخاطر، مثل أسهم شركات تكنولوجية جديدة وغيرها، بدلاً من سياسة الصناديق الحالية التي تعتمد تنويع محافظها الاستثمارية ما بين أصول خطرة وأصول آمنة لضمان أموال مساهميها.
هذا ما تسعى إليه أيضاً حكومة حزب العمال البريطاني برئاسة كير ستارمر التي تضغط على صناديق معاشات التقاعد لتستثمر ما لا يقل عن خُمس أموالها في أسهم شركات بريطانية وأصول عالية المخاطر لتنشيط الاقتصاد. وراء هذا التوجه محاولة لكسر الحكمة التقليدية لصناديق معاشات التقاعد ودفعها لوضع أموال المتقاعدين في أصول قابلة للتبخر بسرعة من شركات ناشئة، احتمال إفلاسها وانهيارها كبير جداً، وشركات الذكاء الاصطناعي التي تحرق الأموال من دون وضوح لاحتمالات العائدات والأرباح.
التغول على حقوق الكبار
1 أكتوبر 2025 00:13 صباحًا
|
آخر تحديث:
1 أكتوبر 2025 00:13 صباحًا
شارك