د. منصور جاسم الشامسي

«التحالف البريطاني – الأمريكي» من مكامن قوة الولايات المتحدة ومصدر «إلهام سياسي» لها. «التحالف» نَقَلَ المعرفة والخبرة السياسية البريطانية العالمية، منذ القرن الثامن عشر، إلى الولايات المتحدة، بالممارسة السياسية، والتواصل والاحتكاك السياسي المباشر، كما استفادت بريطانيا من التقنيات العسكرية الدفاعية الأمنية الأمريكية المتطورة. العلاقات البريطانية – الأمريكية تعكس بدقة متناهية «نظرية الأحلاف» كنموذج متكامل في الفكر والعمل، وحالة تفاهم وترابط كُلي عضوي، حقيقي، وثقة وصداقة عميقة، بين الطرفين، وقوة شاملة، وتناغم، كعَزْف سيمفوني.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمام التحديات الداخلية والخارجية، التي يواجهها، شعر بالحاجة إلى «طاقة إيجابية» و«قوة معنوية»، لذا زار بريطانيا، التي يعشقها، ويُحب طقوسها الملكية، في 17-18 من سبتمبر(أيلول) الماضي، ليصبح بذلك أول رئيس أمريكي يجري زيارة دولة ثانية إلى المملكة المتحدة، واستُقبل وزوجته ميلانيا في قلعة وندسور، أقدم وأكبر قلعة مأهولة في العالم وموطن العائلة المالكة البريطانية منذ ما يقرب من 1000 عام، وسط مظاهر احتفالية «سيمفونية» حملت روح العصور الوسطى وأُبّهة عصر الأنوار وشملت عرض الاستقبال الملكي في القلعة وموكب عربات ملكية على بساط أحمر ووليمة عشاء فاخرة، تخلّلها خُطب ونَخب ملكي وعزف أبواق بأسلوب «جَمالي»، جعلت الرئيس الأمريكي يشعر بخصوصية فائقة. وتم الإعلان عن «الشراكة التكنولوجية» و«الشراكة الأطلسية من أجل الطاقة النووية المتقدمة» التي «ستتيح للشركات بناء محطات طاقة نووية جديدة بسرعة أكبر، وتعزيز البرامج التجريبية في مجال«الاندماج النووي»، تقنية تختلف عن«الانشطار النووي»، وعبّرت الحكومة البريطانية عن رغبتها في بناء«عصر ذهبي للطاقة النووية» مع الولايات المتحدة. وهناك قضايا استراتيجية أخرى تم تداولها.
الولايات المتحدة وبريطانيا تُجسدان«العلاقة الخاصة» التي تعني جُملة العلاقات السياسية، الاجتماعية، الدبلوماسية، الثقافية، الاقتصادية، القانونية، البيئية، الدينية، العسكرية، التاريخية، بين البلدين. رئيس الحكومة البريطانية، المخضرم، ونستون تشرشل (1940 – 1945) (1951 – 1955)، استخدم، لأول مرة عبارة «العلاقة الخاصة» واصفاً بها العلاقات البريطانية – الأمريكية في 1946 أثناء زيارته للولايات المتحدة. «تشرشل» أَثَّر في الولايات المتحدة في 1940 وأَقنعها، لتدخل الحرب العالمية الثانية، مُساندة لبريطانيا، التي كانت تواجه تحدياً خطيراً من ألمانيا، وبالتالي، صنع «تشرشل» ببراعته السياسية، والدبلوماسية البريطانية، طريقاً لصعود الولايات المتحدة كقوة عظمى جديدة من خلال رسم دورها المركزي في أوروبا لمجابهة «ألمانيا النازية»، وهذا هو أساس السياسة البريطانية في أوروبا، المحافظة على «توازن القوى» الذي يعني عدم السماح لأي قوة أوروبية بالهيمنة على القارة، وظلت بريطانيا محافظة على «توازن القوى» منذ القرن التاسع عشر حين واجهت صعود «فرنسا النابليونية» كقوة أوروبية عسكرية كبرى مهيمنة، حتى تمكنت بريطانيا ومعها دول التحالف الأوروبي من هزيمة نابليون في 1815 وتم توقيع «معاهدة باريس» للسلام التي رسخت مبدأ «توازن القوى» في أوروبا.
الولايات المتحدة منذ 1945 تضطلع بهذا الدور البريطاني السياسي الاستراتيجي التاريخي في أوروبا الذي يحفظ «توازن القوى» في القارة، ثم إن الولايات المتحدة أضافت لمبدأ «توازن القوى»، سياسة «الارتباط» حين ربطت دول أوروبا الغربية بالولايات المتحدة كمركز عالمي عبر حلف «الناتو» منذ 1949، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي في 1991، أضافت الولايات المتحدة سياسة «الامتداد» حين بدأ حلف «الناتو»، بقيادتها، يتمدد نحو دول أوروبا الشرقية (حُلفاء الاتحاد السوفييتي السابق) فضمها للحلف، على دُفعات، وارتبطت مع الولايات المتحدة، كمركز، وهذا أعظم إنجاز سياسي استراتيجي تحققه الولايات المتحدة، بأن جعلت 32 دولة أوروبية، «أطرافاً» تابعة، أو مرتبطة بالمركز الأمريكي، وهذا هو المدى «الإمبراطوري» الأمريكي العالمي الممتد لمناطق جيوسياسية حيوية عالمية أخرى مثل الشرق الأوسط، حيث تعمل الولايات المتحدة جاهدة للمحافظة على نفوذها الشامل فيه.
الولايات المتحدة ورثت المفهوم «الإمبراطوري» من بريطانيا، الإمبراطورية العظمى التي لا تغيب عنها الشمس، التي سادت العالم منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى 1945 حين خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية لكنها مثخنة بالجراح، فانتقل مركز الثقل العالمي – الإمبراطوري – إلى الولايات المتحدة حين تعاظم دورها السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي العالمي، والذي يُشار إليه عادة بمصطلحات «النفوذ» أو «القوة» أو «الهيمنة» أو «السيطرة».
وَرَدَ في الفكر السياسي أن «الإمبراطوريات أكبر من كونها دولاً كبرى، وهي تتحرك داخل عالم خاص بها، أما الدول فمشمولة بمنظومة صاغتها مع غيرها من الدول، ومن ثم فهي لا تملك التحكم فيها بمفردها.
الإمبراطوريات على العكس من ذلك، تفهم نفسها بوصفها صانعة وضامنة لنظام لن يستقيم بدونها، ويجب عليها أن تُدافع عنه ضد اندلاع الفوضى التي تمثل تهديداً مستمراً له». السياسة الخارجية الأمريكية تأثرت بنظرية «الإمبراطوريات»، التي تتمدد وتَخترق الدول والمجتمعات الأخرى، وترسم لنفسها دوراً رسالياً، وقيادياً، وتعليمياً، وتسعى لنشر حضارتها ورؤيتها للعالم، بالقوة العسكرية أو الدبلوماسية، وهذا ما يجعل الولايات المتحدة تصطدم مع القوى العالمية المناوئة، المستقلة، والصاعدة، في خضم صراعات عابرة للحدود، وتَتَكبد الولايات المتحدة أعباء مادية ومعنوية، متزايدة، في مواجهاتها، وسعيها للحفاظ على مركزيتها العالمية. لذا، قد يتغير المزاج الأمريكي العام في «المُستقبل المُباشر» ويستثمر أكثر في مفهوم «الدولة» الأمريكية، الواقعية، بخياراتها السياسية والدبلوماسية، وليس في مفهوم «الإمبراطورية» الأمريكية بميولها العسكرية ومخاطرها.

[email protected]