كلٌ يبدأ نهاره بطريقة روتينية معينة، لكن الغالبية يسلكون طريق تصفح مواقع التواصل الاجتماعي بشكل تلقائي وكأنهم يستطلعون أحوال العالم بدءاً من المقربين الذين يتواصلون معهم بشكل يومي وصولاً إلى الجولة العامة على كل ما يمر أمامهم على إنستغرام وإكس وفيسبوك وتيك توك.. حركة تبدو لوهلة وكأنها مرآة عصرية للمشهد الذي كان يحصل زمان، حيث كان الناس يقومون بجولة على أحوال الدنيا وأخبار العالم عبر قراءة الصحف والتنقل بين محطات الإذاعة، وبعدها يجرون اتصالات هاتفيّة للاطمئنان على الأهل والمقربين، يوم كانت الدردشة صوتية ومباشرة ولها طابع حميمي.
ما يعيدنا بالذاكرة إلى ذلك الروتين اليومي ومقارنته بروتيننا الحالي، سؤال يخطر بالبال كلما تجولنا بين ثنايا ما تعرضه علينا تلك المواقع والصفحات، وما يهبط علينا من «نصائح» مجانية، هدفها كما يقولون تعليم الناس وتوعيتهم لما فيه خير لهم، وخصوصاً إرشادات «تربوية» تعلّمك كيف تتعامل مع أبنائك وماذا تقول وما يجب أن تتفاداه!.
مشكور كل من يدلي بمعلومة أو نصيحة يفيد بها الآخرين، لكن من يمنح كل هؤلاء «المتطوعين» بهدف اللحاق بموضة الشهرة على السوشيال ميديا، الحق بإسداء النصائح والإرشادات بلا خبرة وشهادة تربوية أو تخصص في مجال علم النفس والعلاقات الأسرية والاجتماعية؟ تُفاجأ بمن يقدم «تعليمات» ومعلومات بدهية جداً فيكسب ثقة المتابعين أو كل من يعبر من أمام صفحته، ثم يسرد مجموعة إرشادات تنم عن جهل المتحدث بمدى صحتها ومدى إمكانية تطبيقها على الجميع، خصوصاً حين يتعلق الأمر بكيفية التواصل مع الأطفال والمراهقين.
لا يملك الجميع نفس القدرة على التحليل وفرز المعلومات في ذهنه بين ما هو منطقي وسليم وما هو غير منطقي وغير دقيق، فكثير من السيدات المقبلات على الإنجاب أو الأمهات لحديثي الولادة، يصدقن كل هذا الكم من النصائح الذي يرونه على مواقع التواصل، وكل واحدة منهن تجد نفسها فجأة محاطة بمدعي التخصص، وتنهال عليها صفحات لصناع محتوى يتحدثون عن مجال اهتمامها نفسه، لمجرد أنها أجرت بحثاً ولو لمرة واحدة عن معلومة تفيدها في مجال الأمومة والطفولة والولادة.
من يدخل ولو من باب الفضول لمشاهدة تلك الفيديوهات والصفحات والإرشادات، وله من العمر والخبرة ما يكفي للتمييز من أول نظرة بين الصادق المتخصص والمدّعي أي «تاجر المعلومات»، وبين الراغب في نقل تجربته وخبرته لعله يفيد بها الآخرين ومن ينسخ عن الآخرين بجهل، يترحم على أهالينا والأجيال السابقة التي سارت على درب القيم والأخلاق والتعاليم الدينية والتحلي بالصبر ومفهوم الصح والخطأ والحلال والحرام والصدق والكذب.. بالفطرة والتوارث والقيم التي كانت تسود المجتمع، بلا فتاوى الإنترنت الافتراضية والخادعة أحياناً كثيرة.

[email protected]