يحيى زكي

اختراع الكتابة وضع البشرية في مكان آخر تماماً، قفز بها خطوات نحو الأمام، حولها من البدائية إلى التحضر، وأصبحت المعرفة قوة، ووظف الإنسان المعلومات خدمة لأغراض شتى، وعبر الكتابة وثقنا التاريخ وأبدعنا في مختلف حقول الثقافة، تفلسفنا وشيدنا العلوم واخترعنا التقنيات، واستخدم بعض البشر ذلك كله للهيمنة على الآخرين، وجعلتنا الكتابة على صلة دائمة بأسلافنا زمانياً وببعضنا بعضا على المستوى المكاني، أي أنها كانت صلة وصل، ومن خلال الكتابة صعدت حضارات، وتفوقت ثقافات.
وجاءت المطبعة لتقفز بنا خطوات أخرى، وأصبحت المعرفة ديمقراطية، ولم تعد تقتصر على شرائح النخبة، واتسعت قاعدة المتعلمين والذين يستطيعون الكتابة، وتزايد الطموح في تحسين نوعية الحياة، وازدهرت الطبقات الوسطى حاملة قيماً تقدمية، وعملت المطبعة على زيادة الاتصال بين البشر، والأهم الترويج للأفكار والحفر في الوعي والإدراك.
وتمثلت القفزة الثالثة الكبيرة التي شهدتها البشرية في شبكة الإنترنت، أو الواقع الافتراضي، أو التكنولوجيا الحديثة وتوابعها المختلفة، وهي قفزة لا تقارن بالمرحلتين السابقتين، حيث تقول بعض المعطيات إن البشر يقومون ب3.5 مليار عملية بحث على محرك «غوغل»، فقط، كل يوم، هذا فضلاً عن المحركات الأخرى. وإذا أخذنا في الاعتبار التطبيقات التي نتصفحها على مدار الساعة وبقية استخداماتنا للشبكة من خلال المواقع المختلفة، لوجدنا أنفسنا أمام كم لا نهائي من المعرفة. فهناك تريليونات المعلومات التي يتداولها البشر عبر الشبكة الإلكترونية في حيز زمني محدود، الأمر الذي يؤكد أن تلك التقنيات باتت ضرورية ولا غنى عنها، وأن الشبكة أصبحت بالنسبة للإنسان المعاصر مثل الماء والهواء.
في المرحلة الثالثة من تلك السردية، وبخلاف المتوقع لم تكن المعرفة صلبة، ولم ينتج عنها يقين أو إجابات عن أسئلة وجودية ومصيرية تواجه الإنسان، وهنا المفارقة، فهذا الكم اللانهائي من المعلومات أدى إلى تشظي المعرفة، وهذا التواجد الكثيف على الشبكة وملحقاتها نتج عنه طابع شعبوي وباتت الساحة للجماهير الغفيرة، أي أن مسار تلك السردية يمكن تلخيصه من وجهة نظر طبقية، حيث كانت مرحلة الكتابة أرستقراطية برجوازية، وتميزت فترة المطبعة بحس ديمقراطي هيمنت عليه الطبقة الوسطى، بينما التكنولوجيا الحديثة تتسم بالزعيق والصراخ وغياب العقلانية، الأمر الذي ينسجم تماماً من ناحية أخرى مع صعود التيارات الشعبوية واليمينية في أعتى الديمقراطيات.
في تلك الصورة التي نقارن فيها بين مراحل التطور يمكن أن نلاحظ أيضاً أن توافر المعرفة في السابق كان يساعد على التقدم، حيث أتاحت المطبعة لبعض البلدان تجاوز محنة التخلف، وتحقيق معدلات نمو عالية، وهو ما نفتقده الآن في مرحلة التكنولوجيا الحديثة، حيث تعمل التقنية على زيادة الفجوة بين عالم متقدم وآخر متخلف، بين من يراكمون رؤوس أموال، ومن يتخبطون في تلمسهم سبل الخروج من عنق الزجاجة ويعانون الفقر المعرفي والتكنولوجي.
لا تقف نتيجة التكنولوجيا عند هذه الحدود وحسب، بل تمتد إلى وعي الإنسان نفسه، الذي زادت هشاشته وشعوره بالاغتراب في ظل ظروف كان يفترض أن تمنحه السلام والطمأنينة.