لكل جيل أحلام كبيرة وتطلعات بعيدة، لكن هذا الجيل يواجه حالة غريبة، جيل لا يحيا الحلم ولا يواجه الواقع فقط ينتظر، ينتظر الوظيفة المناسبة، ينتظر السفر الكبير، ينتظر فرصة الزواج، ينتظر المال، ينتظر أن تنضج الحياة لتبدأ، وكأن العمر مجرد محطة مؤقتة لا قيمة لها، حتى يصل ذلك الغد المثالي الذي قد لا يأتي أبداً.
ثقافة الانتظار أصبحت جزءاً من حياته اليومية، البعض يعلّق قراراته على موعد مجهول، أو على ظروف مثالية لم تخلق بعد، وآخرون يربطون فرحهم بمكاسب مستقبلية، سأرتاح عندما أجد الوظيفة، سأستقر عندما أتزوج، سأبدأ مشروعي عندما تتوفر الظروف، وهكذا يتحول الحاضر إلى مجرد جسر، والمستقبل إلى سراب لا نهاية له، فنقضي أعمارنا أسرى لوهم يبدو جميلاً، لكنه في حقيقته مخادع.
الأسباب متعددة وجزء منها يعود إلى التربية التي غرست فيهم فكرة أن المستقبل أهم من الحاضر، التعليم صوّر لهم أن النجاح الحقيقي مؤجل إلى ما بعد التخرّج، والإعلام ضخ فيهم صورة الحياة الكاملة التي تأتي دفعة واحدة بيت، سيارة، وظيفة، أسرة، ثم جاءت السوشيال ميديا لتزيد الضغط، حيث المقارنة المستمرة جعلتهم ينتظرون اللحظة التي يصبحون فيها مثل الآخرين، بينما الحقيقة أن لكل إنسان مساره المختلف وظروفه الخاصة، ولا تُبنى حياة بنسخة من حياة غيره.
لكن الثمن غالٍ، هذا الانتظار المستمر يستهلك النفسية، يزرع القلق، ويقتل المبادرة، نرى شباباً قادرين على الإنجاز، لكنهم عالقون في مكانهم، كأنهم يخافون أن يبدأوا بخطوة ناقصة، نرى علاقات إنسانية معلقة لأنها تنتظر الوقت المناسب، وتضيع طاقات كثيرة لأن أصحابها يعيشون في وهم أن الظروف لم تتهيأ بعد، وكل يوم يمضي في الانتظار خسارة صامتة لا تعوّض، لأن العمر لا يلتفت إلى الوراء.
الحقيقة أن الحياة لا تعاش في المستقبل، بل إن الحياة تعاش الآن، بكل فوضاها ونواقصها، الانتظار قد يمنح شعوراً مؤقتاً بالأمل، لكنه في جوهره سرقة صامتة للعمر، لا شيء أكثر قسوة من أن تستيقظ بعد سنوات لتكتشف أنك لم تعش يوماً كما ينبغي، لأنك كنت دائماً تؤجل وتنتظر، وتترك الأيام تتسرب من بين يديك.
الرسالة بسيطة، فقط غادروا غرفة الانتظار، لا تبحثوا عن اللحظة المثالية، فهي لن تأتي، اصنعوا من اللحظة الحالية أفضل ما يمكن، لأن الحياة ليست وعوداً معلّقة، بل خطوات يومية صغيرة، قد تكون متعثرة، لكنها حقيقية وصادقة، والإنسان الذي يخطو اليوم ولو بخطوة واحدة، أقرب إلى الحياة من الذي ينتظر ألف فرصة وهمية.
في النهاية، لا أحد يتذكر من انتظر طويلاً، والحياة لا تحفظ أسماء المنتظرين، بل أسماء الذين بدأوا، وساروا في طريقهم رغم كل النواقص.

[email protected]