علي قباجة
تتزايد المخاوف في بولندا من اندفاع روسيا نحو حرب عليها لن تكون مفاجئة في منظورها، إذ ثمة قناعات لدى وارسو بأن المواجهة قادمة لا محالة، وهذه القناعات تعود لأسباب تاريخية، بعدما دخلت في حرب مباشرة مع الاتحاد السوفييتي عامي 1919 و1920، انتهت بانتصارها، ثم توقيع معاهدة «ريغا» التي منحتها أراضي واسعة على حساب السوفييت، ثم الحرب العالمية الثانية عندما غزت الدبابات الألمانية غربها، ما اضطر الاتحاد السوفييتي إلى اقتحام الشرق لصد النازيين، وهو ما جعل من الأراضي البولندية ساحة صراع عالمية.
الحاضر لا ينفك عن الماضي، فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، انفتحت بولندا على الغرب، وانضمت لحلف «الناتو» ثم الاتحاد الأوروبي، حيث تعد الجبهة المتقدمة في صد المد الروسي، والوقوف في وجه أية توسعات قد تطمح إليها موسكو، ومن هنا فإن العبء على وارسو قد ازداد، لكنه أخذ منحى حاداً بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، حيث تجذرت القناعات بأنه في حال حققت موسكو انتصاراً حاسماً على كييف، فإن المرحلة المقبلة ستكون بقية أوروبا، وستكون البداية من بولندا، خصوصاً أن ثمة حرباً هجينة تُشن عليها من روسيا عبر اختراقات إلكترونية يومية واسعة شلت في أحيان كثيرة قطاعات حيوية، أو من خلال ضخ المهاجرين عبر حدود بيلاروسيا الحليفة لموسكو، وأخيراً اختراق مُسيّرات روسية لأراضيها، ما اعتبر تطوراً خطراً، يُعزّز وجهة نظرها بأنها ستكون التالية.
لأجل هذا فإن بولندا ومنذ اللحظة الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا بدأت تُعِد نفسها عسكرياً، إذ ضخت ميزانية دفاعية كبيرة، وعقدت صفقات لتحديث قدراتها الجوية بمقاتلات حديثة، كما طوّرت منظوماتها الصاروخية والبرية، وعبأت قوات الاحتياط، وأعلنت أنها تسعى لأن تكون ضمن أقوى ثلاثة أعضاء في الحلف، من حيث القدرات العملياتية، في حين تواصل التنسيق أوروبياً ومع «الناتو» لمواجهة مخاطر تراها حتمية.
بولندا تدرك أنها في وجه العاصفة، وأنه في حال أي تصعيد فإنها في الأغلب ستتلقى الضربة الأولى، حيث تراها موسكو قاعدة متقدمة ل«الناتو»، ونقطة أساسية لانتشار قواته في حدود الحلف الشرقية، ومحطة لوجستية تمر من خلالها الأسلحة إلى أوكرانيا التي تطيل أمد الصراع، وأنها «خادمة» للولايات المتحدة، وتعد العدة لتنفيذ اعتداءات على روسيا.
عدم اليقين والشك بين الطرفين إضافة إلى عوامل عملياتية على الأرض، من تحشيد عسكري من قبل الطرفين، ووجود كتلة كاملة أوروبية وأمريكية متوجسة من روسيا، تزامناً مع تعميق موسكو لتحالفاتها، قد يدفع الأمور إلى التصعيد العسكري، مع أول خطأ غير محسوب لكنه سيكون قاتلاً، لذا فإن السعي لاحتواء الاستفزازات هو الوصفة الناجعة الآن لتثبيط الحرب النووية التي يُلوّح بها الجميع مع انطلاق أول رصاصة.
[email protected]