كمال بالهادي

أيّاً كانت نتائج الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في المستقبل القريب، فإنّ القضيّة الفلسطينية عرفت أبعاداً جديدة لم تبلغها طيلة أكثر من سبعة عقود مضت. فلا خلاف في أن فلسطين باتت اليوم رمزاً إنسانياً وقيمياً وأخلاقياً ومحكّاً حقيقياً للسياسة الدولية.
إن التظاهرات التي تخرج في شوارع أوروبا والولايات المتحدة وفي مشارق الأرض ومغاربها، تثبت توحّد الإنسانية خلف الراية والكوفية الفلسطينية. ذلك أنّه توجد حقائق عينية لا يمكن لأحد إنكارها رغم القصف الإعلامي الذي يبدو أشد فتكاً من الصواريخ والقنابل وحملات التجويع والتفقير التي تمارس على شعب فلسطيني محاصر في غزة والضفة. وإنّ إقدام بعض الدول الأوروبية والغربية على الاعتراف بدولة فلسطين، لم يكن سوى نتيجة لتغيّرات جوهرية مسّت أسس السياسة الدولية، ومسّت أساساً مواقف الشعوب الحيّة من قضية فلسطين.
فحالة الضغط التي تمارسها تلك الشعوب، أفرزت واقعاً جديداً تمثّل في تغيّر مواقف وفي اتخاذ خطوات غير مسبوقة تجاه إسرائيل. وفي تلك الدول انتفضت المجتمعات العلميّة في الجامعات ومراكز البحث، وانقسمت وسائل الإعلام التي كانت كلها تردد ذات النغمة الإسرائيلية، وإبداعياً صارت القضية الفلسطينية تنتشر في كل مراكز الإنتاج الفني والسينمائي خاصة، ورأينا نجوماً كباراً يقفون في صفّ الإنسانية، ألا تشهد هوليوود وهي مركز الفن السينمائي العالمي مخاضاً عسيراً وانقساماً في المواقف؟ وحتى رياضياً بلغت القضية مبلغها في تفاعل الرياضيين والجماهير الرياضية العالمية وتضامنهم مع مأساة إنسانية لم يعد يختلف فيها اثنان. أما اقتصادياً فجاءت الخطوات الأوروبية لافتة، فهي الشريك الأول الذي يهدد بمقاطعات وإلغاء صفقات سلاح، وغيرها من الخطوات التي دفعت نتنياهو إلى القول بأن إسرائيل عليها الاستعداد لحالة عزل طويلة.
وفي المشهد السياسي الدولي ظهرت قيادات عالمية لا تخشى إسرائيل، فرئيس جنوب إفريقيا قاد إسرائيل إلى محكمة الجنايات الدولية برفع قضية «ارتكاب جرائم حرب»، وقيادات أمريكا اللاتينية المعروفة بتوجهاتها الراديكالية ذهب بعضها إلى حد الدعوة لتشكيل جيش لتحرير فلسطين، واللافت هو ظهور قيادات أوروبية وعلى رأسها طبعاً فرانشيسكا ألبانيز المقررة الدولية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، والأمين العام أنطونيو غوتيريش الذي قال إنه لا يجب أن نخشى من إسرائيل، أمّا رئيس حكومة إسبانيا بيدرو سانشيز فقد قال إن إسبانيا رغم محدودية قوتها العسكرية، لن تتوقف عن السعي لوقف ما وصفه ب«الإبادة الجماعية» في غزة. مؤكّداً أن هناك أهدافاً تستحق النضال من أجلها «حتى لو لم يكن النصر ممكناً بقدراتنا وحدها».
إنّ هذا ليس جردة لجزء صغير جداً من جملة التغيرات التي شهدتها القضية الفلسطينية في العامين الماضيين، بل هو رصد لحقائق واقعية ولتغيرات جذرية في المواقف الإنسانية والسياسية، التي لم تكن لتتحقق لو أنّ الفلسطينيين لم يغيّروا أساليب الصراع مع الاحتلال. فالعرب سبق أن قدموا مبادرات سلام، والفلسطينيون أنفسهم انخرطوا في مسار سلام منذ تسعينات القرن الماضي، ولكنّ حلم دولتهم لم يتحقق والاحتلال مازال يرفضه إلى اليوم، وحتى خطة ترامب الجديدة لا تتضمن أيّ أفق لموضوع حل الدولتين، رغم اعتراف 149 دولة بالدولة الفلسطينية، وهذا يثبت أنّ حدث السابع من أكتوبر كان حدثاً مفصلياً في التأثير في جوهر قضية إنسانية كان النسيان يلفها في خضم تحولات ما سمي الربيع العربي، وأحداثه التي اجتاحت دولاً وزلزلت أركانها.
قد يجادل كثيرون بالقول إن هذا المسار لم يأت إلا بالخراب، وفي هذا القول جانب من الصحة، ولكن هل تحرر شعب ما من نير الاستعمار من دون تضحيات جسيمة؟ وهل هناك شعب نال استقلاله من دون أن يروي الأرض بدماء أبنائه؟ الحرّية كما قال الزعيم التونسي الشهيد فرحات حشاد لا تكون إلاّ حمراء، والشعب الفلسطيني مثل باقي شعوب العالم التي سبقته في معركة التحرر الوطني هو آخر الشعوب المستعمرة، وهو الذي يقدم تضحيات كبيرة من أجل نيل حرّيته التامة غير المنقوصة، والجديد في هذه القصة أنّه في هذه المعركة لا يصارع وحيداً، فالإنسانية كلها تقف إلى جانبه وتؤيّد نضاله المشروع. ويكفي أن تخرج الأساطيل من كل موانئ العالم رافعة شعار التحدي والصمود والانتصار للجائعين والمعدمين في غزة.
إنّ النتائج ليست فورية، ولكنها استراتيجية، وفي كل صراع قادم لن يكون الفلسطينيون لوحدهم، هناك عالم جديد يتشكل وتتغير موازين القوى فيه، هذا العالم يتدرّج شيئاً فشيئاً نحو الإمساك بزمام ملف حوكمة العلاقات الدولية، وعندها ستتغير فعلياً وجذرياً المواقف، وتكون أكثر قوة وردعاً لكل الذين يدوسون الآن القانون الدولي في غطرسة وعنجهيّة.
[email protected]