الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
كمال بالهادي
كاتب صحفي وباحث
أحدث مقالات كمال بالهادي
17 مارس 2026
«فجر الأوديسة».. وأفول ليبيا

كمال بالهادي

اقترنت الذكرى الخامسة عشرة ل«ثورة فبراير» الليبية، باغتيال نجل العقيد القذافي الراحل سيف الإسلام، وهذا يعطي دليلاً واضحاً على عدم قدرة الفرقاء في ليبيا على تحقيق مصالحة وطنية شاملة، وعجزهم عن إيجاد توافقات سياسية تجعلهم قادرين على تجاوز خيارات العنف والقتل، والتي أدت إلى بروز شروخ في تركيبة المجتمع الليبي القائمة أساساً على القبلية.
لقد كانت الأحداث في ليبيا عنيفة في الأيام الأولى لأحداث فبراير 2011، وقد أدى تدخل حلف الناتو من خلال عملية «فجر الأوديسة»، إلى سيادة الفوضى العارمة وحكم الميليشيات، وبروز نفوذ العصابات والجماعات المتطرفة وأهمها تنظيمي «داعش» و«أنصار الشريعة»، ويمكننا القول إن عملية «فجر الأوديسة» قد أدت إلى غروب دولة ليبيا عملياً، لأن كل ما أتى بعدها هو خراب دولة عربية كانت تنعم بالاستقرار والازدهار الاقتصادي، وربما لو تعمّقنا في أسباب تحرّك الشعب الليبي في تلك الفترة لقلنا بكل عقلانية إنّه وضع نفسه في محنة كانت بعيدة عنه وإن من أدخلوهم إليها هم بعض الليبيين الذين كانوا منخرطين في مشروع تمدد الإسلاميين في المنطقة، ولم يكن يهمهم مصلحة الشعب الليبي واستقراره.
إن النظر إلى السنوات التي مرّت من عمر الحراك الليبي يمكّننا من قراءة كل ما حدث وموازنته موازنة عقلانية. فمن حيث وحدة الدولة ومؤسساتها، عاشت ليبيا وضع انقسام حاد في كل مؤسساتها الاستراتيجية، بدءاً من مؤسسة الجيش إلى القوى الأمنية وصولاً إلى المؤسسات التشريعية والحكومية والاقتصادية. ففي ليبيا من كل زوج اثنين، قيادتان عامتان للجيش في طرابلس وبنغازي، وحكومتان الأولى في غرب ليبيا والثانية في شرقها، وزوجان من كل وزارة، في الشرق والغرب، وهذا وضع غير طبيعي وغير مقبول واستمراره طوال هذه الفترة إنما يكرّس حالة الانقسام الفعلي التي لا يمكن رأب صدعها مستقبلاً. الخطر في الوضع الليبي هو الحالة الانقسامية التي تمتد في الزمان وتتحول إلى «مرض مزمن»، ولا شك في أنّ كثيراً من الليبيين باتوا يدركون خطر هذا المسار الذي يشجع ربما أطرافاً أخرى على تأسيس كيانات شبيهة بما في بنغازي وطرابلس والعودة إلى تلك الخريطة القديمة التي تقسم ليبيا إلى ثلاثة أقاليم هي برقة وفزان وطرابلس.
منذ 2011، وربما حتى قبل اندلاع أحداث 17 فبراير، فإنّ من حرّكوا المشهد الليبي وقتها وهم أساساً تيار الإخوان المسلمين، قد سلّموا أوراقهم ومصيرهم بل مصير ليبيا إلى الخارج. لقد كان كل شيء مرتباً منذ إسقاط نظام صدام حسين في عام 2003 في العراق، ومنذ زيارة أوباما في عام 2009 إلى القاهرة وحديثه عن دمج الإسلام المعتدل في الحكم، كان إخوان ليبيا المعول والأداة التي تم بها غزو ليبيا ودولاً عربية أخرى إبان الفوضى العارمة.
وإلى اليوم لم يستطع الليبيون استرجاع وطنهم، لأنّ من يدير الملف الليبي هو أساساً الخارج، فهو الذي منع إجراء الانتخابات، وهو الذي نشر آلاف الدواعش والمرتزقة في ليبيا، وهذا الخارج هو الذي نظم مئات مؤتمرات الحوار الوطني الليبي وسهر على إفشالها الواحدة بعد الأخرى، وهو أيضاً الذي يتحكم في مصير التوحيد وحتى من يحكم ليبيا، وكأنّ ليبيا ليس فيها شعب من حقه أن يختار من يحكمه. ولئن كان من هم في المشهد الآن يدافعون دون هوادة عن أحقية ثورتهم وشرعيتها، فإنّه لا أحد يمكنه أن ينكر أنّ واقع ليبيا الآن هو واقع اللادولة.
والمشكلة اليوم أن ليبيا في عيون الآخرين، ليست إلا مجالاً جغرافياً واسعاً يختزن باطن أرضها ثروات طبيعية هائلة، والتنافس بين هذه القوى على من يكون له القدرة على السيطرة على منابع النفط والغاز الليبي، ولا يهمهم من سيقود ليبيا ولا مستقبل الشعب الليبي.

[email protected]

8 فبراير 2026
التوجه إلى بكين.. خيار أوروبي

قد يكون من الصعب على قادة أوروبا أن يتحدثوا صراحة عن ضرورة التوجه إلى الاقتصاد الصيني لإنقاذ اقتصاداتهم المتداعية، وهم الذين بنوا سردياتهم السياسية على معاداة الصين وشنّ حروب مالية واقتصادية عليها، غير أن حجم الأزمة الأوروبية وتخلي الولايات المتحدة عن دول القارة العجوز، فرض هذا الخيار الذي أزعج واشنطن.
قادة الدول الأوروبية غيروا خطابهم السياسي تجاه الصين مئة وثمانين درجة، فبعد سنوات من الاتهام بالإضرار باقتصاداتهم وإغراق أسواقهم، باتوا يتحدثون عن أهمية استثمار الفرص الاقتصادية التي توفرها الصين وأهمية زيادة الاستثمارات المتبادلة وتأسيس شراكات اقتصادية مستدامة.
في قراءة لجملة المواقف الأوروبية، نرصد تحولاً جذرياً ورغبة جامحة في إقامة شراكات جديدة مع الصين، فهذا رئيس حكومة بريطانيا يقول إن بلاده «لا تستطيع تجاهل الفرص الاقتصادية التي تقدمها الصين، لكن يجب عليها أيضاً أن تظل منتبهة لأية تهديدات أمنية محتملة». مضيفاً أنه: «ليس من المنطقي أن نتجاهل الأمر وندفن رؤوسنا في الرمال عندما يتعلق الأمر بالصين، فمن مصلحتنا التواصل معها.. ستكون زيارة مهمة للغاية بالنسبة لنا، وسنحقق تقدماً ملموساً».
وفعلاً عاد ستارمر من الصين باتفاقيات اقتصادية ضخمة وكذلك برؤى سياسية جديدة بلغت حتى الحديث عن «ضرورة تعزيز العلاقات بين البلدين بمواجهة التحديات الجيوسياسية». ومعتبراً أن الخلافات القائمة يجب ألا تحول دون التعاون الثنائي. مشدداً على أن «الصين لاعب محوري على الساحة الدولية، ومن الحيوي بناء علاقة أكثر عمقاً معها لا تمكننا من تحديد فرص التعاون فحسب، بل تسمح لنا أيضاً بإقامة حوار هادف حول القضايا التي نختلف فيها». وغير بعيد عن بريطانيا التي تغرد لسنوات خارج فضاء الاتحاد الأوروبي، تقف باريس في مفترق عاصف سيحدد مستقبلها ربما لسنوات أو حتى عقود قادمة.
فعلى ما يبدو ضجت باريس من تقلب المزاج الأمريكي المرتبط بتغير إدارات البيت الأبيض، ووصلت إلى يقين أنّ وضع الخيارات والمصالح كلها في سلة البيت الأبيض ليس خياراً صحيحاً، وعليه فإن ماكرون زار الصين مرتين متتاليتين ساعياً إلى فتح ثغرة في جدار العلاقات الأصمّ مع بكين، وهذه المرة ومن دافوس، وفي لحظة تشهد تصاعداً في الحروب التجارية وتآكلاً في قواعد الحوكمة العالمية، وضع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التعاون الاقتصادي مع الصين في صلب رؤيته لإعادة ضبط الاختلالات العالمية، معتبراً أن المواجهة الصفرية أو الانغلاق لا يقدّمان حلولاً، وأن «المخرج الوحيد هو المزيد من التعاون، وبناء مقاربات جديدة».
أما إيطاليا التي كانت عضواً في مبادرة الحزام والطريق الصينية ثم خرجت منها، فسعت رئيسة حكومتها جورجيا ميلوني إلى إحياء العلاقات وأطلقت خطة الثلاث سنوات 2024 -2027 لترجمة التقارب الاقتصادي والتجاري بين روما وبكين، وخلال زيارته إلى روما في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أكد وزير خارجية الصين وانغ يي أنه في عالم يشهد تغيرات واضطرابات، يجب على الصين وإيطاليا - باعتبارهما ممثلتين بارزتين للحضارات القديمة في الشرق والغرب - أن تستمدا الحكمة والإلهام من تاريخهما الغني، وأن تقدما حلولاً عقلانية وعملية للتحديات العالمية الملحة.
ولم تتغيب إسبانيا عن قافلة «الحج إلى بكين»، فملك إسبانيا قام برحلة خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، إلى بكين، عرض الرئيس الصيني شي جين بينغ على ملك إسبانيا فيليبي رؤية للتعاون في وقت تسعى فيه بكين للحصول على دعم إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي مقابل المزيد من الأمن الاقتصادي لشريكها الأوروبي. أما ألمانيا أكبر اقتصاد أوروبي فإنها وثقفت علاقاتها الاقتصادية مع الصين، وزادت استثماراتها بنحو الضعف في ظرف سنة واحدة ما يعكس الرغبة في البحث عن اقتصاد آمن، يوفر للشركات الألمانية بيئة أكثر استقراراً في سوق واسعة وجاذبة، إذ أظهرت البيانات أن الاستثمارات في الصين ارتفعت إلى أكثر من 7 مليارات يورو (8 مليارات دولار) بين يناير/​كانون الثاني ونوفمبر/تشرين الثاني 2025 بزيادة 55.5% عن نحو 4.5 ‍مليار يورو في عام 2024.

[email protected]

20 يناير 2026
النفط.. اليوم وغداً

كمال بالهادي

أعاد الحدث الفنزويلي وإعلان الولايات المتحدة السيطرة على موارد هذا البلد بل والشروع في بيعه لفائدتها أولاً ولفنزويلا ثانياً، الحديث عن هذه المادة الطاقية باعتبارها عصب أو شريان الاقتصاد العالمي أمس واليوم وغداً.
إن تأكيد الولايات المتحدة عن شراهتها لنفط فنزويلا يؤكد حاجتها لطاقة مستقبلية مازالت هي النافذة منذ اكتشافها في القرن التاسع عشر. ولأن العالم يزداد تنافساً في مجالات الصناعة وبرغم الحديث عن بدائل طاقية يمكن أن تعوض النفط، فإن الواقع يثبت غير ذلك، فالنفط هو المهيمن على اسواق الطاقة واضطراب اسعاره كفيل بأن يربك اسواق المال والاقتصاديات العالمية.
إن النفط هو عنصر هيمنة وقوة دولية، الولايات المتحدة أعادت التأكيد على أن هذه الطاقة هي ليست ثروة بل أداة هيمنة وفرض نفوذ، فاستمرار أسواق النفط يعني استمرار عصر ازدهار العملة الأمريكية التي هي الدولار. ذلك أن النفط تتحكم فيه الولايات المتحدة بنسبة كبرى من خلال تسعيره بالدولار ومن خلال بيعه بالدولار، وحتى محاولات بعض الدول للخروج من مظلة الدولار، فإنها تظل محدودة، لتبقى اسواق النفط تحت الهيمنة الأمريكية المطلقة، وهكذا تستمر الولايات المتحدة فارضة منطقها وسياساتها على الجميع بما في ذلك الصين وروسيا.
إن الولايات المتحدة الساعية سعياً محموماً لعملية استباقية للسيطرة على منابع المعادن النادرة، لا تفرّط في الطاقة الاستراتيجية وهي النفط، بمعنى أن تضع يدها على الحاضر وتستبق الجميع في السيطرة على طاقات المستقبل. وقد أعلنها ترامب صراحة أنّه سيستثمر في المعادن النادرة في كل من الكونغو وبعض الدول الإفريقية الأخرى بعد أن وضع يده على معادن أوكرانيا ونفط فنزويلا. وفي المحصّلة أعاد الحدث الفنزويلي أهمية طاقة النفط في رسم المشهد العالمي لعقود قادمة، واعاد رسم نفوذ القوى الدولية وامتداداتها الاستراتيجية، والولايات المتحدة تقبض على سلاحين لا ثالث لهما هما النفط والدولار.
لقد بات واضحاً أنه في الحروب الجديدة لم يتغير شيء، فأمريكا ذهبت للعراق من أجل احتياطيات النفط الهائلة، وكذلك أفغانستان ما قيل إنها تمتلك ثروات تعدينية كبيرة، كما أن أعمالها ونشر قواعدها المختلفة في دول ذات حساسيات خاصة، جاءت لنفس الأهداف.واليوم يأتي الدور الصريح على فنزيلا بعد أن تم إخضاع أوكرانيا للعم سام وسلمت مفاتيح معادنها الثمينة لترامب. ففنزويلا يباع نفطها من قبل وزارة الطاقة الأمريكية في مشهد استعماري لم تشهد له البشرية مثيلاً.
وهكذا فإنّ مصادر الطاقة كلها تبدو جاذبة ومحرّكة للصراع في العالم بين القوى التقليدية الساعية إلى استمرار هيمنتها على الموارد واستغلالها وهضم حقوق الشعوب التي تنتجها. وانطلاقًا من هذه الاعتبارات كانت السيطرة على النفط تعني ضمان استمرار عمل الآلة الصناعية والآلة العسكرية معًا، أي الرخاء والقوة، وبات النّفط يمثّل قطاعًا مهمًا للاستثمار الرأسمالي، وهكذا كان النفط محور لصراع الرأسماليات والشركات والدول ومقاولي النقل.
النفط اليوم هو الدم الذي يجري في شريان الصناعات الحديثة، وهو أوكسيجينها الذي لو انقطع لماتت واندثرت واختنقت الدول الصناعية. وعليه فإن مغامرة الولايات المتحدة بشن حرب ربما على كل دول أمريكا الجنوبية، وفرضها السيطرة على النفط الفنزويلي، يؤكد أهمية هذا المصدر الطاقي لعقود قادمة، وعدم قدرة أمريكا على جعله خياراً ثانياً في مصادر الطاقة.
وهكذا فإن أدوات الصراع وجغرافيتها السياسية، لن تتغير في الأفق القريب، لأن منابع هذا المورد الطاقي، لم تتغير بصفة جذرية، حتى بدخول الولايات المتحدة مصاف الدول المنتجة، ولكن إلى متى ستظل الشعوب صاحبة الثروة والأرض تدفع ثمناً باهظاً لثورة كانت نعمة فصارت نقمة؟

[email protected]

24 ديسمبر 2025
طلاق بين أمريكا وأوروبا

هناك مسار ولد في أمريكا، لم يعد أحد في استطاعته أن ينكره، إنه مسار الطلاق بين أوروبا وأمريكا، وهو مسار ليس هيّناً ولا حدثاً سيقع خلال فترة قصيرة من الزمن، لكن بوادره تظهر كل يوم في إدارة البيت الأبيض.
النزعة «الترامبية»، هي عبارة عن مزيج من القومية الاقتصادية والحماية التجارية الصارمة، تُطبق عبر المواجهة، سواء مع الحلفاء أو الخصوم. وتستند إلى الاعتقاد بأن المصلحة الذاتية تأتي في المقام الأول، وأن أمريكا يمكنها التصرف دون عواقب، وكثير من التقارير يشير إلى أن رؤية ترامب ل«فجر عصر جديد حيث تعتمد الدول على نفسها»، هي رؤية للتخلي عن النظام الدولي القديم.
وفي هذا يولد تحوّل استراتيجي حقيقي، إذ ينقلب ترامب على النظام الذي أرسته بلاده قبل عقود من الزمن، وتحديداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فعلى الرغم من ميل الولايات المتحدة تاريخياً إلى العزلة، إلا أنها عملت منذ فترة طويلة على موازنة هذا الاتجاه بالالتزام بالأمن العالمي والتجارة الحرة. لكننا نشهد اليوم نقطة تحول في التاريخ، وكلما طالت مدة إنكار هذه التجربة السياسية الخطرة التي تجري في أمريكا، قلّ الوقت المتاح للأوروبيين للرد. وعلى هذا الأساس تعيش أوروبا في مأزق كبير مع إعلان الطلاق بين أمريكا الترامبية وأوروبا النيوليبرالية، بعد أن وصف ترامب قادة أوروبا بأنهم ضعفاء وغير أكفاء وبلا شعبية، وأنهم مستبدون ويمنعون الأحزاب القومية من تولي الحكم، ويقيدون حرياتهم، ويفتحون الأبواب للمهاجرين لمحو الهوية الأوروبية.
وفي مثل هذه التصريحات يتكرس النهج الترامبي الحازم في اتجاه تحقيق الطلاق بين بروكسل وواشنطن، وقد بدأت بوادر هذا الانفصال منذ العهدة الأولى عندما رغب ترامب في إيقاف تمويل حلف الناتو ومطالبته الدول الأوروبية بدفع تكاليف الحماية التي توفرها لهم أمريكا. والحقيقة إن ترامب في عهدته الثانية رغب في التخلص من حلف الناتو وفرضَ على الأوروبيين رفع مساهماتهم في تمويل الحلف حتى يبقى قائماً، وهو ما التزمت به الدول الأوروبية خوفاً من فقدان الحماية الأمريكية. ومن وجهة نظر أوروبية محضة، فإن أبرز ما يثير الانتباه في العقيدة الأمنية الأمريكية الجديدة ليس كونها تُميط اللثام عن جوانب جديدة كانت مجهولة، وإنما بالعكس، فهي تؤسس بشكل رسمي لا غبار عليه، لما كان يُهمس خلف الأبواب المغلقة أو في بعض الخطابات الحماسية لبعض كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية.
وبات من الواضح تماماً أن واشنطن لا ترغب في أوروبا قوية وموحدة وإنما في كيان ضعيف مشتت يسهل التعامل مع دوله المجزأة بما يخدم مصالح واشنطن. لطالما ادعت إدارة ترامب أن هدفها هو الدفاع عن أوروبا بجعلها فعالة وقادرة على تحمل المزيد من المسؤولية. وأظهرت أن هدف الولايات المتحدة صراحةً هو زرع بذور التفرقة بين دول الاتحاد الأوروبي، بتقوية الحركات القومية، وبالتالي منع القارة العجوز من أن تصبح قوة جيوسياسية قادرة على منافسة الولايات المتحدة، رغم قوتها الاقتصادية الكبيرة وحجم سكانها البالغ نحو 500 مليون نسمة.
الأوروبيون يدركون جيداً أن نهج ترامب، لن يتوقف حتى وإن خرج هو من الرئاسة في نهاية عهدته الثانية، فإن الأمر بات غير مقبول لأنه لا يمكن أن يكون مصير أوروبا مرتبطاً بمن يسكن البيت الأبيض، وعليه جاءت الردود الأوروبية متسارعة ورافضة للخطوات الأمريكية، ولكنها مقرّة بأن حبال الود قد انقطعت فعلياً بين أمريكا وأوروبا. إذ رد المستشار الألماني بأن أوروبا خرجت من تحت الهيمنة الأمريكية، قائلاً إن أوروبا ستعتمد على قدراتها وقوتها. من جانبه قال عضو مجلس الاتحاد الروسي أليكسي بوشكوف، إن تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس حول نهاية حقبة Pax Americana بالنسبة لأوروبا تمثل اعترافاً جدياً بتحول جيوسياسي كبير. ففي وقت سابق، أعلن ميرتس، في سياق تغير مسار السياسة الخارجية الأمريكية، ضرورة دفاع أوروبا عن مصالحها الخاصة، معلناً أن «عقود السلام الأمريكي قد انتهت إلى حد كبير بالنسبة لنا في ألمانيا».
وكتب بوشكوف على قناته في تليغرام: «أعلن المستشار الألماني وزعيم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في مؤتمر الحزب بميونخ، أن عهد السلام الأمريكي قد ولّى بالنسبة لأوروبا. وهذا اعتراف جاد بتحوّلٍ جيوسياسي كبير، لا يزال البعض يشكّك فيه، ولكنه كان يلوح في الأفق منذ فترة.
وقد أزفت أولى بوادر هذا التحوّل مع انتخاب دونالد ترامب لولاية رئاسية ثانية». ووفقاً للسيناتور الروسي، أكد ترامب في ذلك الوقت أنه لا يدعم أوروبا التي تعتمد على الولايات المتحدة في حمايتها، «ولم يتردد في إظهار موقفه للقادة الأوروبيين، بدءاً من ميركل». وأضاف السيناتور أن جو بايدن حاول تطمين النخبة الأوروبية في مؤتمر ميونخ، ووعد بالعودة إلى الأيام الخوالي، لكن ترامب سرعان ما ألغى وعود سلفه.

[email protected]

9 ديسمبر 2025
سلاح وجوع ولجوء

كمال بالهادي

سنة أخرى تطوي آخر أوراقها، لكن لا شيء جديد في الأفق، رحى الحروب لا تتوقف عن نهش أجساد الأبرياء، وساسة العالم يواصلون التلاعب بالكلمات والتصريحات وأفعالهم تقود إلى حالة إنسانية مزمنة، في حين أنّ قضايا البشرية العميقة لا تجد حلولاً جذرية.
خطر الحروب لا يتمثل في تلك المشاهد المروعة لضحايا أبرياء تم استهدافهم فوقعوا بين قتيل وجريح ومفقود، بل إنّ خطر الحروب يكمن في تأثيراتها الواسعة التي تجعل الملايين من الناس حول العالم لا يعرفون الاستقرار، فيكونون ضحايا يمكن أن يتحولوا نتيجة استغلال أوضاعهم إلى خطر محدق بالاستقرار والأمن العالميين.
في تقرير صدر في شهر يونيو/ حزيران الماضي عن المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين، بلغ عدد النازحين قسراً حول العالم 122.6 مليون شخص بسبب الاضطهاد والنزاعات والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان والأحداث التي تُخلّ بالنظام العام بشكل خطير. ومن بينهم 43.7 مليون لاجئ، يتوزعون بين 32 مليوناً تحت ولاية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، و6 ملايين لاجئ فلسطيني تحت ولاية الأونروا. كما بلغ عدد النازحين داخلياً 72.1 مليون نازح، و8 ملايين طالب لجوء.
وفي النصف الأول من عام 2024، كان النزوح المستمر من السودان وأوكرانيا هو العامل الرئيسي في ارتفاع عدد اللاجئين. وتوجد اليوم حالات نزوح داخلي جديدة في 16 دولة، وتمثل ستة منها - السودان وميانمار وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأوكرانيا وهايتي وموزمبيق - 90 في المئة من الأشخاص الذين اضطروا للفرار داخل بلدانهم. المشكلة الأبرز في هذا الواقع الأليم هو أنّ هؤلاء الملايين من النازحين واللاجئين، لا أمل لهم في العودة القريبة إلى مواطنهم الأصلية، بل إن نسبة ضعيفة جداً منهم يمكن أن تنجح في العودة بعد الاستقرار، وهذا ما يجعل هذه الكتل البشرية المتحركة تمثل ضغطاً قوياً على مجتمعات الاستقبال، فضلاً عن أن مؤشر النزاعات والحروب في مناطق الأزمات لا يتراجع بل إنه في تصاعد مستمر، تضاف إليه مناطق أزمات جديدة.
فعلى سبيل المثال فإن التهديد بحرب في منطقة الكارايبي يمكن أن يشكل أساساً قوياً لحالة هجرة ونزوح إن اشتعلت الحرب واستمرت لفترة طويلة. وخلف هذا الواقع المشؤوم بالنسبة لملايين من الناس، تطل أزمة أخرى لا تقل خطورة وهي أزمة الجوع، ففي آخر تقرير صدر في شهر أكتوبر(تشرين الأول)، يعاني أكثر من ثلاثمئة مليون شخص من الجوع، والصدمة الكبرى ما ورد في تقرير المنظمة الأممية للأغذية والزراعة «الفاو»، الذي كشف أن المنطقة العربية تشهد مستويات غير مسبوقة من نقص الغذاء، حيث عانى 198 مليون إنسان من جوع حاد أو متوسط خلال العام الماضي، وهو ما عزاه مسؤول أممي إلى غياب العدالة الاجتماعية وهشاشة النظم الغذائية المحلية.
مثل هذه الأرقام تؤكد أن الحديث عن القيم الإنسانية في محافل السياسة الدولية ليست سوى عمليات ذر للرماد على العيون، لأن مسألة الجوع ليست مرتبطة بنقص الموارد أو غيابها، فالندرة هي مجرد خرافة، بل إن عقلية الأنانية هي التي تجعل الحكومات تفضل إنفاق 2.7 تريليون دولار على الإنفاق العسكري، ولا توجه تلك الموارد الضخمة نحو دعم الاستقرار وترسيخ قيم السلام والتعاون. ففي سنة 2025 عاود نسق سباق التسلح الصعود الصاروخي لتحقق أكبر مائة شركة في قطاع صناعة الأسلحة مبيعات قياسية خلال العام 2024 بلغت قيمتها 679 مليار دولار.
الحقيقة أنّ عالمنا مريض، وأمراضه باتت مزمنة لغياب مفهوم أخلقة السياسة، ولتراجع مبادئ الشرعية الدولية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها في ظل انتشار الكراهية والأنانية والروح المادية الصرفة التي انعكست على السلوكات الفردية والجماعية وغذّت صور التدافع الاجتماعي والاحتراب الأهلي والدولي. وليس في الأفق ما يؤشر إلى أن السنة الجديدة ستكون أفضل من سابقاتها أو على الأقل ستحمل في طياتها تراجعاً نحو عالم أكثر استقراراً.

[email protected]

28 أكتوبر 2025
فنزويلا تحت أنظار ترامب

ترامب لا يكف عن التهديد بالتدخل المباشر في فنزويلا، بل إنه لا يخفي رغبته في إزاحة نظام نيكولاس مادورو. غير أنه خلف هذه المشاعر المفضوحة تطلّ رغبات رجل لا يرى السياسة إلّا نظاماً لاحتطاب المال والثروات من كل الدول وبكل الوسائل، وخاصة بالوسائل غير السلمية.
الولايات المتحدة وإن تغيّر حكام البيت الأبيض، فإنّ الهدف واحد، وهو السيطرة على مقدرات الشعوب. فالديمقراطيون كما الجمهوريون يتبعون ذات السياسات الخارجية منذ عقود من الزمن.
لكن مع الرئيس ترامب، هناك التعبير المباشر عن رغبات الهيمنة وحتى تقاسم الثروات عنوة، فقد ألزم ترامب قبل أشهر نظام كييف الصديق، بأن يوقع معه اتفاقيات المعادن النادرة، وفرض ترامب على كل دول العالم رسوماً جمركية، استطاع من خلالها أن يجمع للولايات المتحدة تريليونات الدولارات، ولم يخش في ذلك لوم لائم أو ردة فعل الدول الصديقة والحليفة والدول المنافسة. والآن يضع نصب عينيه ثروات فنزويلا الهائلة التي تسيل لعاب الشركات الأمريكية، ولكنها ثروات غير صديقة، مادام الرئيس نيكولاس مادورو في الحكم.
ومنافسو أمريكا، بل وأعداؤها الثلاثة، الصين وروسيا وإيران، يجدون لهم موقعاً في هذه الدولة، وهذا سبب آخر يجعل البيت الأبيض يفكّر، ليس فقط في تحييد مادورو، كما تحدث ترامب، بل حتى في احتلال البلد، إن لزم الأمر، من أجل الفوز بالثروات الطائلة. وما نيل المعارضة الفنزويلية جائزة نوبل للسلام، منذ أيام قليلة، إلّا دليل واضح على أن الغرب برمّته، وفي المقدمة الولايات المتحدة، قد انتقلوا إلى مرحلة جديدة، شديدة الخطورة، في استهداف دولة فنزويلا.
وقد أشار الرئيس دونالد ترامب الأربعاء إلى أنه منح الضوء الأخضر لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لتنفيذ عمليات سرية داخل الأراضي الفنزويلية، لكنه امتنع عن تأكيد ما ورد في التقرير بشأن سعي الوكالة إلى الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو. وعند سؤاله عمّا إذا كان قد سمح ل«السي آي إيه» ب«تحييد» مادورو، وفق ما ذكرت الصحيفة، رد قائلاً: «يا له من سؤال سخيف. ربما ليس سخيفاً تماماً، لكن ألن يكون من السخف أن أجيب عنه؟». لكن ترامب أعلن أمام مراسلين في البيت الأبيض أنه يدرس شن ضربات على الأراضي الفنزويلية، قائلاً: «نحن حتماً ننظر إلى البر الآن، لأنّنا نسيطر على البحر بشكل جيّد للغاية». وأضاف «لقد سمحتُ بذلك حقيقة لسببين»، متهماً مادورو بقيادة نظام «الإرهاب المخدراتي» وإطلاق سراح سجناء لإرسالهم إلى الولايات المتحدة.
لماذا سالَ لُعاب الولايات المتحدة مؤخّراً تجاه فنزويلا، واحتمال غزوها أو قلب نظامها؟ الإجابة تبدو بسيطة وواضحة، هناك غابات فنزويلا الجنوبية الكثيفة، حيث يمتدّ قوس منجمي في «أورينوكو» على مساحة تبلغ 111 ألف كلم مربّع، ويُقال إنه يحتوي على بعض أغنى الاحتياطات المعدنيّة في العالم. وتشير التقديرات إلى وجود نحو 7 آلاف طن من الذهب بقيمة تقارب تريليون دولار، إضافةً إلى الكولتان، وهو خام معدني يحتوي على التنتالوم والنيوبيوم ويُستعمل في الهواتف والحواسيب ومحرّكات الطائرات، وتقدَّر قيمته بين 100 و300 مليار دولار.
ومع احتياطات ضخمة من الماس والبُوكسيت وخام الحديد والنحاس والعناصر النادرة، يُعتقد أن القيمة الإجمالية لثروات القوس تتجاوز تريليوني دولار. وتشير دراسات جيولوجيّة حديثة إلى وجود أدلّة مؤكَّدة على معادن حاملة للعناصر الأرضيّة النادرة في نطاق القوس والمناطق المجاورة له ضمن درع غويانا الجيولوجي، أحد أقدم التكوينات الصخرية على وجه الأرض.
وتشمل هذه العناصر اللانثانوم (La)، والسيريوم (Ce)، والنيوديميوم (Nd)، والبراسيوديميوم (Pr)، والإيتريوم (Y)، والديسبروسيوم، (Dy) والتيربيوم (Tb)، وهي عناصر تُعدّ اليوم جوهريّة في صناعة المغناطيسات الدائمة، والمحرّكات الكهربائيّة، والتوربينات الهوائيّة، وشاشات الأجهزة الإلكترونيّة الحديثة. وإلى الشّمال مباشرة يمتد حزام نفط أورينوكو، وهو من أكبر احتياطات النفط المؤكَّدة في العالم، على طول الضفّة الشماليّة للنهر. يحتوي على نحو 1.2 تريليون برميل من النفط الثقيل جدّاً، منها حوالي 300 مليار برميل قابلة للاستخراج، وهذه القدرات تجعلها مورداً استراتيجياً حاسماً في توازنات الطاقة الدولية.

[email protected]