يسرا عادل
في كل خريفٍ أمريكي، ومع اقتراب نهاية السنة المالية، تتكرر الطقوس السياسية ذاتها: غرف الكونغرس تمتلئ بالوجوه المتوترة، والخطابات تتصاعد، والموظفون الفيدراليون يتهيؤون لاحتمال إغلاق جديد. هذه الظاهرة، التي باتت جزءاً من قاموس السياسة الأمريكية، ليست قراراً إدارياً يوقَّع في البيت الأبيض، بل هي في جوهرها نتيجة مباشرة لغياب التمويل القانوني بسبب خلاف سياسي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. إنها لحظة يتقاطع فيها النص الدستوري الجامد مع الممارسة السياسية المتقلبة، فتُغلق الأبواب لا لأن الحكومة أرادت، بل لأن القانون منعها من الاستمرار بلا تفويض مالي.
الإغلاق الحالي يأتي، بسبب عجز الكونغرس عن تمرير قانون تمويل أو حتى قرار مؤقت يمدّد الإنفاق الفيدرالي. الجمهوريون، ممسكون بزمام الأغلبية في مجلس النواب، اقترحوا ما يُسمّى «تمويلاً نظيفاً» بلا إضافات سياسية. في المقابل، أصر الديمقراطيون في مجلس الشيوخ على أن أي تمويل لا بد أن يتضمن ضمانات للرعاية الصحية، خصوصاً تمديد إعانات التأمين الصحي وحماية برنامج «ميديكيد» من الاقتطاعات. السبب المباشر إذن هو الخلاف حول تفاصيل الإنفاق الاجتماعي، لكن السبب غير المباشر أعمق: الاستقطاب الحزبي المتزايد، والرغبة في استثمار اللحظة كاختبار قوة قبل معارك الانتخابات المقبلة.
أمام هذا المأزق تلوح عدة سيناريوهات، فقد يرضخ أحد الطرفين لتسوية قصيرة الأجل، بتمويل مؤقت يشتري وقتاً إضافياً للتفاوض. وقد يتصاعد التعنت، فيتحول الإغلاق إلى أزمة مطوّلة تذكر الأمريكيين بإغلاق 2018-2019 في فترة ترامب الأولى والتي تعد الأطول في التاريخ. ثمة أيضاً سيناريو أخطر: أن يحاول الرئيس استخدام صلاحياته التنفيذية لإعادة ترتيب الأولويات المالية، ما سيجرّ الأمر إلى مواجهة قضائية أمام المحكمة العليا حول حدود سلطة الرئيس في الإنفاق.
ولأن هذه الأزمة ليست جديدة، فإن العودة إلى الوراء تضيء المشهد الراهن. ففي التسعينات، عاش بيل كلينتون إغلاقاً طويلاً (1995-1996) بسبب خلافات مع الجمهوري نيوت غينغريتش حول تخفيضات الميزانية.
وفي 2013، خاض الجمهوريون معركة مع باراك أوباما حول «أوباماكير»، وأغلقوا الحكومة 16 يوماً. وفي 2018-2019، أصر دونالد ترامب على تمويل جداره الحدودي، فدخلت البلاد في أطول إغلاق بتاريخها: 35 يوماً. كل مرة كانت النهاية نفسها: تسوية بعد استنزاف سياسي واقتصادي، وغالباً ما خرج الطرف الأكثر تشدداً خاسراً أمام الرأي العام.
الإغلاق ليس مجرد رمز سياسي، بل هو عبء مالي واقتصادي. مكتب الميزانية في الكونغرس قدّر أن آخر إغلاق كلّف الاقتصاد أكثر من 11 مليار دولار. كل أسبوع شلل في مؤسسات الدولة، يعني تباطؤاً في النمو، وخسائر مباشرة لقطاعات السفر والسياحة والخدمات، فضلاً عن تعطّل العقود الحكومية، وارتباك الأسواق المالية أمام مشهد عدم الاستقرار. وإذا طال الإغلاق، فإن انعكاساته تمتد لتقويض ثقة المستثمرين في الاقتصاد الأمريكي برمّته.
ولأن أبرز الضحايا هو المواطن الأمريكي العادي، فلا لحظة تجعله يؤمن بدور السياسة في حياته كتلك التي تأتي مع الإغلاق. هناك، تتكشف أمامه الحقيقة بأن الجدل الدائر في أروقة الكونغرس، ليس مجرد صراع نخبوي بعيد، بل سيفٌ مسلط على يومياته. الموظفون الفيدراليون يُوضعون في إجازة إجبارية بلا راتب، فتتراكم أقساط المنازل والفواتير المؤجلة. الخدمات غير الأساسية، من المتاحف إلى الحدائق الوطنية، تغلق أبوابها، بينما يتأخر صرف القروض الطلابية والمساعدات الغذائية. ومع توالي التجارب، ينقسم المواطن الأمريكي بين الغضب من عبث السياسيين، والاعتياد على الإغلاق كأنه لعبة شدّ حبال موسمية لا تلبث أن تنفرج.
في خلفية هذا المشهد يقف الدستور الأمريكي بحضوره الصارم. فالمادة الأولى (البند المعروف ب Appropriations Clause) ينص بوضوح: «لا يُصرف مال من الخزانة إلا بناءً على اعتمادات يقرها القانون». هذه القاعدة تجعل التمويل مرتبطاً مباشرة بإرادة الكونغرس. وعليه، فإن الإغلاق ليس قراراً إدارياً يوقعه الرئيس، بل هو حالة فراغ قانوني: غياب سلطة تشريعية للإنفاق يعني توقف الدولة تلقائياً. من هنا يظهر دور «التمويل المؤقت» (Continuing Resolution)، وهو آلية قانونية لتفادي الإغلاق، عبر تمديد الإنفاق عند مستواه الحالي إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق شامل. غير أن هذه الآلية نفسها قد تتحول إلى ساحة مساومة سياسية، كما يحدث الآن.
الإغلاق الحكومي الأمريكي إذن ليس مجرد أزمة مالية، بل مرآة للنظام السياسي بكل تناقضاته: فصل السلطات الذي يتحوّل أحياناً إلى شلل، واستقطاب حزبي يُرهق الدولة والمواطن على حد سواء. المواطن الأمريكي هو الضحية الأولى، والاقتصاد يدفع كلفة كل يوم من أيام الصراع، فيما تبقى النهاية دائماً العودة إلى طاولة المفاوضات التي كان يمكن عقدها منذ البداية. ومع كل إغلاق، تتسلل شقوق القلق والشك في الثقة العامة، لتذكّر الجميع بأن الديمقراطية، مهما بدت صلبة، هي في حقيقتها كائن حي يتنفس عبر اتفاقات البشر، وتختبر قوتها وضعفها في لحظات المواجهة.
في هذه اللحظة، حيث تصمت أبواب الحكومة وتعلو صرخات التوتر السياسي، يدرك الأمريكيون أن الدولة ليست مجرد مبانٍ أو قوانين، بل شبكة حية من إرادة الناس، متى ما اهتزت، ينعكس صداها في كل شارع وبيت، مع كل فاتورة، وفي كل نفس من أنفاس الحياة اليومية. وهكذا، يبقى الإغلاق حدثاً دورياً، لكنه أيضاً مرآة صادقة تُظهر هشاشة القوة وصراع البشر على صياغة وطنٍ يظل حاضراً في حياتهم قبل أن يكون حاضراً في القانون.