مثل الكثير من قضايا ساحتنا الثقافية، ازدهر مصطلح «الأدب النسوي» وملحقاته في فترة من الفترات ودارت حوله المعارك والجدل والنقاشات والحوارات وعقدت المؤتمرات ونظمت الأمسيات والندوات، ولم يلبث كل هذا أن اختفى، وأصبح المصطلح من التاريخ، بل ورأينا الكثير من الأصوات التي تمسكت بهذا المصطلح في الماضي وأصرت على تميزه وإبراز خلفياته التاريخية والنقدية لم تلبث أن تراجعت، وأقرت أن الإبداع إنساني بالدرجة الأولى لا يمكن تمييزه بسبب الجنس، وباتت مفاهيم مثل الجندر من الماضي، ندر أن نقرأها أو نسمع من يرددها.
وهنا يبرز السؤال، هل كان هذا المصطلح ضرورة أدبية في ذلك الوقت، ثمانينات وتسعينات القرن الماضي؟ وهل تخلى الكثيرون عنه لأنه استنفذ أغراضه؟ أم لأن أصحابه اقتنعوا بالفعل أن الإبداع لا يمكن إخضاعه لأية اشتراطات تتعلق بأي شيء يتجاوز حدود الأدب؟ هذه أسئلة موجهة إلى مؤرخي الأدب والنقاد، ولكن الملاحظ أن الساحة الثقافية العربية لم تهجر هذا المصطلح وحده، ولكن الكثير من المصطلحات باتت ذكرى، تعبر مخيلتنا من دون أن نتوقف عندها طويلاً، فنحن الآن نعيش عصر ثقافة ذاكرة السمكة، لا نكاد نناقش قضية، حتى نمل منها سريعاً ونبحث عن غيرها، من دون الوصول إلى نتائج تتعلق بالقضية الأولى، ولا نلبث أن نبحث عن قضية ثالثة وهكذا.
ما يعزينا في قراءة التاريخ أن بعض المصطلحات مثل «الأدب النسوي» استمر لسنوات، وتشكلت حوله رؤى وقوى فاعلة، وأنتج دراسات موزونة عرفتنا بتاريخ النساء في حقول عدة، وتحدثت بلسان فصيح عن المهمشات ودافعت عن حقوقهن، حتى تطرف البعض وذهب إلى أن الحكي موهبة تتمتع بها بنات شهرزاد، ورأينا من يقول إن النساء أقدر على التقاط التفاصيل، وصياغة النسيج السردي عبر غزل تلك التفاصيل بعضها إلى بعض، ولم يقتصر «الأدب النسوي» على توظيف مفاهيمه في الأدب وحسب، بل رأيناه ينبش في الفلسفة والفكر، ويشيد عالماً متكاملاً كتبته عيون النساء وأيديهن.
ازدهر هذا المصطلح في فترة شهدت نتاجاً نقدياً متميزاً، وعلى المستويات كافة، في المجال الفكري كانت هناك مشروعات متكاملة تدرس التراث وعلاقته بالعصر، مشروعات قضى أصحابها سنوات طويلة في تلمس أوجه وطرائق التقدم العربي، أما في الحقل الأدبي فشهدنا من يتحدث عن «زمن الرواية»، وحتى عندما ناقشت الساحة مسألة موت المثقف أو الكاتب كان هناك زخم وإعمال للعقل لا يتوقف، كانت هناك مقولة جديدة كل يوم، وجدل مختلف حول قضية من فترة إلى أخرى، صحيح كان هدف البعض الإثارة أو الشهرة أو لفت الانتباه، وكان البعض الآخر يسعى إلى تحريك المياه الثقافية باستمرار، ولكن كل هذا كان يصب في النهاية في مصلحة الثقافة العربية الصامتة منذ عقدين تقريباً التي تحتفي بهذه القضية أو تلك الآن من قبيل إحياء الذكرى وليس من باب الحراك والفعل، لنقول إننا في يوم ما ناقشنا تلك المسألة، وهو ما يخفي غياب التفكير الراهن في الثقافة وقضاياها الحيوية.
الآن نحن لا نتحدث في أية قضية، وحتى هجمة الذكاء الاصطناعي على الإبداع التي يحذر منها كثيرون، لا نأخذها على محمل الجد، يعتقد البعض أنه مجرد أداة تساعد المبدع ولا تستبدله، ولا يزال آخرون يتحدثون عن الإبداع بلهجة شاعرية لا تدرك مخاطر هذا الذكاء، والجميع لم يحولوا الذكاء الاصطناعي إلى مفردة بحثية أو مقولة ينهم بها الكل، وبخلاف مفصل الذكاء الاصطناعي لا يوجد هاجس ثقافي نتحدث عنه، صمت مطبق يثير الدهشة قبل الحزن، هل هي مرحلة تراجع تعقبها فترة ازدهار؟ هل نحن على أعتاب ثقافة جديدة نعيش مقدماتها وتتسم بالهدوء والصمت وغياب الرأي النقدي والتحليلي؟ هل خدعتنا التكنولوجيا الحديثة ودمرت قدرة الذاكرة على الاحتفاظ بأية مسألة أو قضية لفترة طويلة؟ كلها أسئلة ضرورية لابد من طرحها ونحن نتذكر هنا «تراث» مصطلح كان بالأمس القريب يملأ الدنيا ويشغل الناس.