لم تبدأ الأزمة السياسية في فرنسا مع تقديم رئيس الوزراء سيبيستيان لوكورنو استقالته يوم أمس الأول بعد ساعات قليلة على تشكيله الحكومة، بل بدأت العام الماضي بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة التي جرت خلال الصيف، وفاز فيها تحالف الجبهة الشعبية الجديد اليساري ب 182 مقعداً في الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) متقدماً على ائتلاف الرئيس إيمانويل ماكرون (168 مقعداً) والتجمع الوطني اليميني المتطرف وحلفائه (143 مقعداً)، فيما فاز حزب الجمهوريين المحافظين ب 45 مقعداً. ولأن أياً من الأحزاب لم يحصل على الأغلبية الواضحة فقد ظل البرلمان معلقاً وغير قادر على منح الثقة لأي حكومة تستطيع الحكم إلا بموافقة الأحزاب التي يمكن أن تشكل تحالفاً حكومياً هشاً، خصوصاً أن الرئيس ماكرون مصمم على عدم التعاون مع اليسار أو اليمين المتطرف، خوفاً من أن يعطي اليسار فرصة للحكم فيطبق برنامجاً اقتصادياً واجتماعياً يتعارض مع برنامجه بالمطلق.
هذه الاستقالة تعمّق من الأزمة السياسية المستفحلة في البلاد، وهي تأتي بعد شهر على تكليف لوكورنو على أمل انتشال فرنسا من أزمتها السياسية - الاقتصادية، وهو سابع رئيس وزراء في عهد ماكرون.
كان ماكرون يأمل من إجراء الانتخابات المبكرة في منتصف العام الماضي تعزيز سلطته وفوز حزبه بالتحالف مع أحزاب يمينية أخرى بالأغلبية المطلقة في البرلمان، لكن هذه الخطوة جاءت بنتائج عكسية، إذ أفرزت الانتخابات ثلاث كتل متنافسة، وحل حزبه ثانياً بعد اليسار وقبل اليمين المتطرف.
يذكر أن اثنين من أسلاف لوكورنو، هما فرانسوا بايرو وميشال بارنييه قد أقيلا في البرلمان إثر مواجهة تشريعية حول موازنة التقشف الفرنسية، وكان لوكورنو مهدداً أيضاً بحجب الثقة في البرلمان لو قدم حكومته. إذ هدد اليسار بحجب الثقة، كما أن أوليفييه فور، زعيم الحزب الاشتراكي قال إن فريق ماكرون «ينهار»، و«إن الحكومة الجديدة فقدت كل شرعية».
يذكر أن فرنسا تواجه أزمة اقتصادية ومالية حادة، وقد فشلت كل الحكومات المتعاقبة في حلها، بحيث إن ديون فرنسا زادت على 3400 مليار يورو، إضافة إلى الصراع بين الحكومة والأحزاب اليسارية والنقابات وأرباب العمل حول فرض ضريبة على الثروات الكبرى والتراجع عن قانون التقاعد الأخير أو تجميد العمل به.
لذا انعكست استقالة لوكورنو سلباً على الأسواق المالية حيث ينظر المستثمرون إلى الاستقالة كإشارة على هشاشة المشهد السياسي في فرنسا، وهي ثاني أكبر اقتصاد في المنطقة بعد ألمانيا، إذ تراجعت السندات الفرنسية مع استعداد المستثمرين لمزيد من الضبابية السياسية، وارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات بمقدار 9 نقاط أساس ليصل إلى 3.6 في المئة.
ورغم أن الرئيس الفرنسي أعطى لوكورنو عدة ساعات لإجراء مشاورات قبول الاستقالة نهائياً، إلا أن ماكرون أمامه ثلاثة خيارات، إما الاستقالة شخصياً وهذه مستبعدة تماماً، أو حل الجمعية الوطنية مجدداً والدعوة إلى انتخابات مبكرة وهذا لن يضمن له الأغلبية النيابية وستكون مغامرة جديدة، أو تكليف شخصية جديدة بتشكيل حكومة وهذا لن يغير شيئاً من واقع أن كتلتي اليسار واليمين ستكونان بالمرصاد لأي حكومة لا تنفذ مطالبهما.