التطور التكنولوجي الذي طال مختلف القطاعات والتخصصات بما فيها القطاع الصحي، أسهم في تعزيز وتطوير مستوى الخدمة المقدمة، بالذات في مجال التشخيص المبكر للأمراض ووضع خطط العلاج وتنفيذها مبكراً وصولاً إلى الشفاء التام وتجنب المضاعفات وزيادة الكلفة العلاجية، في المقابل أثر هذا التطور على العلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض بعد أن أصبح غالبية الأطباء يعتمدون على تقارير المختبرات الطبية وصور الأشعة وغيرها من الوسائل التشخيصية في تشخيص حالة المريض.
الفحص الإكلينيكي الذي كان يعتبر منذ سنوات طويلة عنصراً أساسياً ورئيسياً في عيادات الأطباء للوصول إلى تصور أوّلي عن حالة المريض ومعاناته، أصبح من الماضي ونسبة قليلة من الأطباء تمارس اليوم الفحص الإكلينيكي لتشخيص حالة المريض أو متابعة حالته، في ظل انتشار الأجهزة الطبية التشخيصية المتطورة، ما أدى إلى ضعف المهارات السريرية عند الأطباء والتحول إلى الثقة التي لا حدود لها في التكنولوجيا الطبية.
أهمية الفحص الإكلينيكي الذي كان يمارسه جميع الأطباء يمثل أساس العلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض، إذ يشكل هذا الفحص تفاعلاً إنسانياً لا حدود له بين الطبيب المعالج والمريض ويزيد من شعور المريض بالطمأنينة والاهتمام والرعاية، وهو البعد الإنساني الذي أصبح شبه مفقود في غالبية عيادات الأطباء، فالعديد من الدراسات العالمية أشارت إلى أن ممارسة الفحص الإكلينيكي إلى جانب وسائل التشخيص الحديثة تقلل من الأخطاء الطبية، الأمر الذي يتطلب تدريب وتأهيل الجيل الجديد من خريجي كليات الطب على الفحص الإكلينيكي لجعله ممارسة أساسية مع أي مريض.
الغالبية وعند مراجعة الأطباء فإنهم يقومون بشرح مرضهم للأطباء، ويقوم الأخير بطلب فحوصات والعودة إليه للحصول على الوصفة بعيداً عن الفحص الإكلينيكي للمريض، في الوقت الذي يجب فيه الجمع بين وسائل التشخيص المتطورة والتكنولوجيا الحديثة والفحص الإكلينيكي وصولاً إلى تشخيص دقيق والحفاظ على التواصل الفعال مع المريض، وهذا ما يمارسه أمهر الأطباء في مختلف التخصصات.
ابتعاد الأطباء عن ممارسة الفحص الإكلينيكي في ظل التطور التكنولوجي، يتطلب من جهات الاختصاص إن كانت أو الجهات الرقابية والإشرافية على القطاع الصحي إلزامية الأطباء بالفحص الإكلينيكي لأهميته في مسيرة علاج المرضى، إلا أن بعض إدارات المنشآت الصحية تحث أطباءها على الإسراع في مقابلة المرضى لزيادة عدد الحالات التي يتم الكشف عليها، لتحقيق مردود مالي أعلى للمنشأة، وقد يكون من المجدي تحديد حدّ أعلى من عدد المرضى الذي يسمح لكل طبيب استقبالهم يومياً في عيادته، مع مراعاة بعض التخصصات لضمان إعطاء الوقت الكافي للمريض.