د. يوسف الحسن

لم يعد السؤال مطروحاً فيما إذا كان الحوار بين الأجيال، في زمن العولمة وثورات التقانة والمعلومات والاتصال، ضرورياً لنقل الخبرات والممارسات الاجتماعية إلى الجيل الشاب، لحفظ الذاكرة الجمعيّة، وجعل التراث، ليس مجرد ماضٍ نرثه، بل مستقبل تصوغه الأجيال معاً، وليظل حيّاً ومتجدداً في حياتنا المعاصرة والمستقبلية، التي تموج بالتغيرات العميقة والتحولات المتسارعة. إنه أكثر إلحاحاً، ويتجاوز مسألة سرد روايات عبرت، إلى بناء جسور بين الأجيال، ترسخ حالة الوعي العقلي والوجداني بالموروث الثقافي، وبالهوية الوطنية والإدراك التاريخي لها.
الحوار ليس مجرد كلام متبادل بين جيل سابق وآخر معاصر، إنما هو تفاعل وممارسة، ونقل لتجارب وخبرات حياتية، ولممارسات اجتماعية، واستلهامها في حياة الجيل الجديد، تدويناً وابتكاراً وإبداعاً.
والحوار الناجع والمؤثر، بين الأجيال، ليس مجرد إشراك الجيل الشاب في أنشطة وفعاليات تراثية، كجمهور أو مستفيدين، بل كشركاء في توجهات المستقبل، وبما يجعل حفظ التراث وإحياءه والوعي به مدخلاً للتمكين المجتمعي.
إن الأسس السليمة للحوار بين الأجيال، في إطار حفظ التراث، تتجاوز شعارات الاهتمام بقضايا الجيل الشاب، إلى بناء ثقافة تأسيسية، وتعليم وتربويات ومهارات، ترسي قيم التقبّل والاحترام للتراكم الثقافي، وتشجيع التفاعل الإيجابي بين الأجيال، كما تتطلب الإصغاء لحكمة وخبرة حياة كاملة، وفي الوقت نفسه، تفهُّم قضايا معاصرة يعيشها المجتمع.
ومن شروط الحوار الصحي بين الأجيال إتاحة بيئة اجتماعية حاضنة له، وبيئة ثقافية تدرك أن التغيرات في البنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية تنعكس على كل جيل، وتعطيه سمات خاصة.
إن الحوار بين الأجيال ضرورة ملحة في كل الأحوال لتبادل الأفكار والرؤى والخبرات، وتعزيز التفاعل الواقعي، ومد الجسور إلى المستقبل، وبناء مجتمع متماسك، وبذاكرة جمعية لا تخبو.
لنعترف أن هناك فجوة نعيشها اليوم بين الأجيال، معالمها واضحة في ضعف التواصل والحوار، فضلاً عن ضعف أو حتى غياب النقاش العام في العديد من المجتمعات العربية، فجوة بين جيل له خبرته الحياتية والعملية، وآخر له «عالمه الافتراضي»، وتجلياته في أنماط السلوك وأنساق القيم، جيل مفعم بروح الشباب، ويعيش عصر «الصورة المعولمة» والمبثوثة عبر الوسائط البصريّة، وشبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، الجذابة والمغرية، وعبر البث الفضائيّ العابر للحدود. يستهلكها بشراهة، تصنع خياله، وتؤسس وعيه بالعالم وبالأشياء، إيقاعها ضاغط، وتصنع الرموز والنجوم والقدوة، وسلطانها في الأثر والنفاذ، أقوى من سلطان الأسرة التربوي، والمدرسة التعليمي.
عاش جيل الآباء والأجداد الثقافة المكتوبة والشفاهية، التي تعمق التأمّل والتفكر، أمّا اليوم فقد تأثرت عادات وتقاليد وأعراف وأنساق قيمية، ولغة (العربية كأداة تفكير وتواصل)، وجميعها عناصر منظومة، تعطي لكلّ مجتمع خصوصيته الوطنية، فضلاً عن متغيراتٍ، أفرزتها تحولات في المستويات الإنتاجية والمعرفية والمعيشية، وفي هيكلية نظم من «القبيلة إلى الدولة».
نعم.. تعرضت مجتمعاتنا العربية لتغيرات كبيرة، وأسهم التعليم القاصر، الذي لا يُحسن فن الحوار والنقاش البنّاء والتفكير النقدي في تعميق الفجوة بين الأجيال، ما ولّد سوء فهم متبادلاً، وانقطاعاً معرفياً بين الأجيال، فضلاً عن دور «الضجيج الرقمي»، «وسجن» الشاشات في ترسيخ هذه الفجوة.
إنّ الحوار بين الأجيال ضرورة وطنية ملحة، لملء فجوة تكبر باستمرار، بخاصة في زمن التسارع في التحولات، وبروز عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تعاد صياغة أدوار الجيل الشاب، كشريك فاعل، في رسم خريطة توظيف التقانة لخدمة التراث واحترامه، لا مجرد مستخدم لهذه التكنولوجيا.
نحتاج إلى بناء الجسور بين الأجيال، لتعزيز نقل المعارف والخبرات والموروثات والممارسات الاجتماعية بسلاسة ويسر ووعي، باعتبار أن هذه الممارسات الاجتماعية تسهم في التنشئة، قيماً وسلوكاً، وتعزز الهُوية الوطنية للفرد والجماعة، وتنظم العلاقات بين أفراد المجتمع، بما يحقق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، ويوفر سبل التمكين للأجيال الشابة.
نحتاج إلى خطط وتدريب وبرامج ومبادرات تجسر الفجوة بين الأجيال، في ظل التحديات الراهنة والمستقبلية. ونحتاج أيضاً إلى مراجعة الموروث الثقافي، وقراءة نقدية تنقّيه (وهو صناعة بشرية قابلة للنقد) وتمنحه القدرة على مواكبة العصر، من خلال الفهم العميق والحي، بما يجعله قادراً على المشاركة الفاعلة في محركات ومتطلبات التنمية المستدامة والشاملة، وبما يعزز الوعي الجمعي بذاكرة ثقافية وهوية وطنية، وعناصرها الأساسية. كما نحتاج إلى استخدام التقانة في نشره، وتعزيز الوعي بأهميته والتفاعل معه، فنوناً وسرداً وتمثّلاً، ودمجاً لمفاهيمه في المناهج الدراسية، والإعلام والدراما، وربطاً وجدانياً بالتراث الثقافي، والثقافة الشعبية لدى الأجيال الشابة، فللتراث الثقافي أهمية كبيرة لدراسة تاريخ أي شعب، وفهم تطوره عبر الأجيال.
إن الحوار للتجسير بين الأجيال هو بناء حالة تصالح بين التاريخ (الموروث الثقافي) والحاضر والمستقبل.

[email protected]