د. يوسف الحسن
لا أدري لماذا حضر إلى الذاكرة، حينما تساءل حفيدي الصغير متعجباً.. لماذا تضرب إيران بلادنا بالصواريخ؟ كتاب (الشاهنامة)، الذي ألفه الشاعر الفردوسي في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي.. وما حملته هذه الملحمة الشعرية الطويلة والمتنوعة من تعصب وكراهية للعرب ولحضارتهم ولغتهم، وما تركته في المخيال الإيراني الجمعي على مد العصور، من عداء واستعلاء تجاه العرب.
تذكرت عهد شاه إيران الأخير، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وتهديداته تجاه دول الخليج العربية، وفي فترتي «الحماية البريطانية» وبدء مرحلة الاستقلال، واحتلاله جزراً إماراتية عديدة، وقد توجها باحتلال عسكري للجزر الإماراتية الثلاث، بتوافق بريطاني خبيث، قبل يومين من الاستقلال وقيام الدولة الاتحادية.
تذكرت أيضاً كيف باع نظام الملالي وسوَّق إلى الغرب، أطروحة (حوار الحضارات) في خطاب للرئيس الإيراني الأسبق (محمد خاتمي) أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1998، وشدد فيه على ضرورة الاحترام المتبادل، ونال خطابه ترحيباً إقليمياً ودولياً. ولم يمض عام حتى قام خاتمي بإهداء نسخة من كتاب (الشاهنامة) إلى بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني في مايو/ أيار 1999، لترويج خطاب الحوار بين الحضارات، متجاهلاً، بل رافضاً الحوار مع جيرانه الأقربين.
معايير مزدوجة، استعلاء (هنا)، وانفتاح (هناك)، علاقات حُسن جوار، وعدم تدخل في شؤون دول مجاورة لها في بحر قزوين ووسط آسيا، وفي المقابل اعتبار إقليم الخليج العربي ساحة لاستعراض عضلاتها العسكرية، والتدخلات المستفزة، والتميز الحضاري والتفوق الديمغرافي، والنظر إلى أي تكتل عربي أو عربي خليجي، كخطر على مشروعها التوسعي الاستعلائي.
عارضت إيران بشدة إعلان دمشق، الذي ضم دول الخليج العربية ومصر وسوريا في عام 1991، إثر تحرير الكويت من كارثة الاحتلال العراقي، وقد شمل هذا الإعلان تشكيل نواة لتحالف عسكري عربي عربي، لحماية أمن الخليج ودوله، لكن إيران لم تعارض - في الواقع - وجود قوات أمريكية أو غربية أو حتى تركية (لاحقاً) في المنطقة، وكانت أول دولة تعترف بمجلس الحكم الذاتي الانتقالي في العراق، تحت الحكم الأمريكي، وملأت الفراغ السياسي الناجم عن سقوط الدولة العراقية وتفكيك مؤسساتها وجيشها، وكان سقوط العراق هدية استراتيجية كبرى لإيران.
نحتاج إلى النظر الثاقب في سمات المشروع الاستراتيجي الإيراني، بدءاً من سمة «التقنية السياسية»، مروراً بسمة «الآجل خير من العاجل» ذات الصلة بعقلية «الصبر الاستراتيجي» وصولاً إلى سمة «الاستعلاء» واختلاط الأيديولوجيا بالقومية الإيرانية..
لم تقم الدولة الإيرانية بخطوة واحدة لبناء الثقة المتبادلة مع جيرانها العرب، وظلت مُنتجاً للأزمات، وتعاند مواصفات الدولة الطبيعية والتزاماتها.
وها هي اليوم تكشف عن نواياها العدوانية، وتُلقي بصواريخها على دول جارة عربية، عارضت سلفاً هذه الحرب العبثية وغير المبررة، ومنعت استخدام مجالها الجوي أمام أطراف الحرب، وتطايرت الصواريخ الإيرانية، وأصابت منشآت حيوية ومدنية ومدنيين، وعطلت طاقة، وشملت بعدوانها دولاً كانت وسيطاً نزيهاً بينها وبين خصومها، واحتضنت جاليات إيرانية كريمة ومنتجة، وكجزء من نسيجها الاجتماعي، وشكلت مدنها، خاصة دبي، شريان الحياة المالي والتجاري لإيران على مدى خمسة عقود.
لم تكن دول الخليج العربية طرفاً في هذه الحرب، لكن الجغرافيا لا ترحم، ولا يمكن تجاهل هذه الحرب، وهي تدور في حدائقنا الخلفية، وعلى سواحل مدننا، وتزعزع الاستقرار، وتعطل المرور العابر في مضيق هرمز، وتشيع الفوضى والقلق في الإقليم والعالم.
حذرت دول الخليج أطراف الحرب من أي تصعيد يطال مصادر الحياة نفسها في المنطقة والعالم، ورأت في هرمز مضيقاً دولياً، لا يحق للدولة المشاطئة له (إيران وسلطنة عمان) إغلاقه، أو فرض رسوم تعسفية.
كما سبق لدول الخليج أن رفضت الزج بنفسها قبل أكثر من عقد في مسألة الصراع الأمريكي الإيراني حول الأنشطة النووية، وأقرّت بحق كل دولة في تطوير طاقة نووية سلمية، وتبنَّت إعلاناً رسمياً، يدعو إلى جعل الشرق الأوسط منطقة منزوعة السلاح النووي، وخالية من كافة أسلحة الدمار الشامل، كما انتقدت الاتفاق النووي عام 2015، الذي لم يتضمن البعد السياسي في سلوكيات إيران.
ومن نافل القول، إن هناك قصوراً في آليات الردع والعمل المشترك خليجياً وعربياً، لكن ذلك لا يبرر انفلات خطابات إعلامية بشكل انفعالي، وهناك حاجة ماسة لامتصاص الغضب، والتوقف عن خطابات الإساءة، وإحياء جروح قديمة في عالمنا العربي وفي إقليم الخليج، وتشويه جوهر ومعنى المساعدات الخليجية لدول عربية وإسلامية، التي جسَّدت قيم التضامن والعمل الإنساني الذي يعزز الاستقرار الجمعي، وكانت الإمارات وما زالت، سباقة وحريصة على بناء الشراكات، ومد الجسور، لا تخسر صديقاً ولا تصنع عدواً.
هناك حاجة ضرورية وملحة لضمانات قوية ومتماسكة وموثقة، لوجود فاعل ومتفق عليه، كمنظومة خليجية في غرفة مفاوضات وقف هذه الحرب، والاعتداءات الإيرانية السافرة، وضمان عدم تكرارها.
إن ما يخدم السلم والاستقرار الإقليميين، أن يتحول التفاوض من أجل سلام مستدام إلى تفاوض متعدد الأطراف.
لكن، أين هي من (غرفة قرارات الحرب والسلم)؟ لا يكفي التشاور أو النصح، إنما المطلوب والملح أن تكون عضواً متكافئاً في صناعة القرار، و«على لائحة الضيوف في مقعد على الطاولة، وليس على لائحة الطعام».
ولنتذكر دائماً القاعدة الحكيمة: ما حكّ جلدك مثل ظفرك.
نقرأ لنفهم ونكتشف ونتأمل، ونقرأ لنشغل العقل بالتفكير، وامتلاك الشعور بفهم الذات وهُويتها، ومعرفة الآخر والأفكار المغايرة (لتعارفوا) وإدراك أسرار الخلق والكون والنفس البشرية، وصولاً إلى السكينة الداخلية، ومواصلة رحلة اليقين، والبحث فيما يملأ كياننا بالحقيقة والطمأنينة، ويُحفِّز الخيال.
كلما دلفت إلى مكتبتي (صومعتي)، تُلقي عيناي السلام على مؤلفي كتبها، وعلى أبطال روايات، وشعراء وفنانين وباحثين ومؤرخين وفلاسفة وعلماء.
هناك كتب تطالعها أكثر من مرة، وأخرى تستشعر بأن أفكارها ومؤلفيها مبثوثة في المكان.
أذكر أنني عدت إلى قراءة كتاب «منطق الطير» للمرة الثانية، حينما شاركت في ندوة فكرية، نظمّها ديوان ولي عهد أبوظبي في نوفمبر عام 1999، حول «الإسلام والغرب في الألفية الجديدة»، وشارك فيها الملك تشارلز، الذي كان وقتها ولي عهد بريطانيا وأمير ويلز، وألقى فيها خطاباً أشار فيه إلى ما كتبه الشاعر الصوفي فريد الدين العطار في كتابه «منطق الطير» عن رحلة الطيور بحثاً عن المعرفة ومحبة الله، وازددت إيماناً وقناعة بأن الإقلاع عن القراءة هو الذهاب مع سبق الإصرار إلى شيخوخة العقل والروح في آن.
لفت انتباهي، وأنا أستكمل قراءة كتاب «تاريخ القراءة» للكاتب والروائي الأرجنتيني ألبرتو مانغويل، الكتاب الرائع الذي يسرد حكايات الحب العظيم بين الإنسان والكتاب، قصة نشأة النظَّارة التي يستخدمها معظم القراء من جيلي، ننظفها بمنديل ورقي، أو بطرف «الغترة»، أو بربطة عنق، ونثبتها على الأنف، وخلف الأذنين.
ويسرد الكتاب عدداً من القصص التاريخية للنظَّارات، من بينها قصة قارئ نهم للغاية، ينجو وحده إثر كارثة نووية، حيث تصبح كل كتب العالم تحت تصرفه، إلّا أن نظَّارته تنكسر مصادفة.
ولم يكن أمام القّراء في أزمنة بابل وروما واليونان، اختيارات أخرى، قبل اختراع النظَّارة، سوى الطلب من «عبيدهم» أو «خدمهم» قراءة الكتب المحفوظة (وقتها) عليهم.
ومن غير المعروف من هو أول مخترع للنظَّارات، إلّا أن أشهر علماء البصريات هو العالم المسلم الحسن بن الهيثم المتوفى عام 1040م، هو أول من أسس علم البصريات، ومنها العدسات المحدبة والمقعرة، وصولاً إلى اختراع المجهر في أوروبا، في النصف الثاني من القرن ال13.
عرفت الصين أصول الطباعة في القرن التاسع الميلادي باستخدام القوالب الخشبية، لكن طباعة الكتب لم تنتشر إلّا إثر اختراع الألماني يوهان غوتنبرج المطبعة الحديثة، في منتصف القرن الخامس عشر.
ومع ازدياد أعداد قرّاء الكتب، تطورت صناعة النظَّارات الخاصة بالقراءة، وأصبحت النظَّارة علامة للمثقفين والعلماء وبدأت تظهر في اللوحات الفنية لكبار الرسامين.
ويروي مؤلف كتاب «تاريخ القراءة» أن لوحة من القرن ال 11 معلقة في كنيسة في فيينا، تسجل لحظة البكاء على العذراء أم المسيح عليه السلام، وظهر فيها أحد الأطباء، قد أضيفت إليها نظارة على عيني الطبيب، بعد مرور أكثر من ثلاثة قرون، من أجل منحه الهيبة والوقار، وإشارة إلى أن أذكى العلماء لم يتمكن من شفاء العذراء مريم.
وفي قرون تالية، ظهرت النظَّارة ومعها الكتاب، كشعار للحكمة، وفي الوقت نفسه شاهد الناس رسوماً ساخرة تمثل شخصاً يجلس وراء منضدة في مكتبة، محاطاً برفوف من الكتب من جميع الجهات، وعلى رأسه غطاء يشبه غطاء رأس الطفل، ونظَّارة كبيرة فوق أنفه.
كما شاهد الناس صوراً ورسومات أخرى لحمار يقف وراء منصة للخطابة بنظَّارة على عينيه، وبيده عصا، ويقرأ في كتاب ضخم أمام جمع من الحيوانات، وقيل إن هذه الرسوم الساخرة عكست حنق عامة الناس على مثقفين وكُتاب يعيشون في «أبراج عاجية».
كثيرون ممن شاهدوا فيلم عمر المختار للمخرج مصطفى العقَّاد، (قُتل في حادث إرهابي في عمَّان عام 2005)، الذي سجَّل سيرة هذا البطل العربي المقاوم للاحتلال الأجنبي لبلاده، يتذكرون كيف سقطت نظَّارة عمر المختار الذي مثَّل شخصيته الفنان الشهير أنطوني كوين، أثناء إعدامه شنقاً، وقد التقطها طفل ليبي، في تلك اللحظة المؤلمة.
كانت النظَّارة بمثابة رمز للكرامة الوطنية والأمل الذي لا يغيب وللحرية والعدالة، وقيل إن مقتنيات عمر المختار الشخصية، سيما محفظته الجلدية ونظَّارته، نُقلت بعد إعدامه إلى متحف في روما.
نتذكر أعمالاً أدبية وسينمائية عظيمة عن الكتب، وعن منعها أو حرقها، من بينها رواية «فهرنهايت 451»، التي تدور أحداثها في مدينة أمريكية تُحظر فيها الكتب والتفكير النقدي، ويقوم «رجال الإطفاء» بحرق أي كتاب يتم العثور عليه، وتتحدث الرواية عن مجتمع تلك المدينة المتقدم تكنولوجياً، ويعتمد المراقبة الإلكترونية والروبوت الآلي ذات الأرجل الثماني، لمطاردة واصطياد من يقتني الكتب.
......
نعم، إن القراءة هي ما يُميَّز النوع الإنساني، ولا تتشكل هُوية الإنسان الثقافية إلّا بالقراءة المستدامة.
د. يوسف الحسن
كانت المشاركة الإماراتية في «عاصفة الحزم»، لها شرعيتها، متعددة الجوانب، ليس أقلها، أنها حرب الضرورة، دفاعاً عن مستقبل المنطقة، وعن الهُوية العربية لليمن، خاصرة إقليم الخليج والجزيرة العربية، وفِنائها الخلفي. خرجت منه الهجرات العربية الأولى قبل الإسلام، وتأسست فيه حضارة العرب الأولى، وبخاصة حول حوض «سد مأرب» ذلك السد المائي الكبير، الذي أعاد المغفور له الشيخ زايد بناءه، ليبعث الروح والحياة في اليمن.
نعم... كانت المشاركة في الحرب.. واجباً وطنياً، ولا أحد ظن يوماً أن الحرب لن تتعمد بدماء الشهداء، لبَّى جند الإمارات نداء اليمن من جديد، وفي اليمن ما يستحق الشهادة، وامتلكت الإمارات قوة الإرادة التي تحرك التاريخ، وتشحنه بقوة مضافة، وتكشف معدن الشعب وقدرته على التماسك والصمود والفعل الإنساني والوطني.
أدركت الإمارات وقتها، أن اليمن عرضة لانهيار كارثي، بفعل مغامرات آثمة، ارتكبها (علي عبدالله صالح) والمليشيات الحوثية، وسياسات «خليجية» قصيرة النظر، على مدى عقود سابقة، في التعامل مع «المسألة» اليمنية، فضلاً عن التخبط في مواجهة اتساع قوس التطرف والغلاة، وانتشار قواعده «الجوالة»، «والعزف المنفرد» من بعض دول المجلس، وهو عزف لا يُطرب وسط فوضى الموسيقى، وممارسة «ألعاب سياسية» غير حكيمة في زمن ما سمي بالربيع العربي.
كانت لهذه «العاصفة» تكاليف كبيرة، وستظل ممتدة في المكان والزمان، بفعل أن اليمن، على درجة عالية من التعقيدات القبلية والمناطقية، فضلاً عن الجغرافيا والفقر والهويات، وأحلام التشطير والثأر.
لكن، ومن أسف، غاب وقتَها، التفكيرُ في «اليوم التالي». تنوعت أجندات، في ظل أيام كَثُر فيها الضباب، بعيداً عن ثنائيات النصر أو الهزيمة، والاستمرار معاً، أو الانسحاب بهدوء.
غاب «اليوم التالي» وهو مواكبة العمل العسكري، بمشروع «مارشال» عربي ليمن جديد، يخرجه من ظلمات التخلف والاقتتال والهويات الصغرى، إلى آفاق إنسانية وازدهار، واحتضان «كل اليمن» في إطار عضوية مجلس التعاون، وإعادة الحياة إلى شرايين اليمن، ليأخذ مكانه الطبيعي، لا مظلومية لأحد أو «لمحافظة» أو«لشطر» فيه.
لم يُطور اليمن له نظاماً وطنياً ناجعاً وجامعاً، قبل 2014، ولا بعده، ولم تساعده منظومة «العمل العربي المشترك» ولا حتى منظومة التعاون، على بناء هذه «الوطنية» الجامعة، ولا على الخروج من مآزق الاقتتال والتخلف، ظل اليمن «دولة غائبة»، وإلى حد ما «قنبلة» مؤجلة.
كتبتُ في (3 إبريل 2023) مقالاً «في غرفة التعاون فيل»، وقلت: «تفاءلنا بنتائج قمة «العلا» حينما طوينا صفحة سنوات مقلقة من عمر منظومة مجلس التعاون، وحلمنا بتدشين مرحلة جديدة تعلي المصلحة المشتركة، وتبلور رؤية مشتركة، وتعزز ثقافة التعاون والتنسيق والتشاور في معالجة الأزمات»، وطالبت بضرورة إعادة هندسة العلاقات البينية، والحذر من تجاهل حقيقة وجود «فيل في الغرفة» وفق العبارة المجازية التي تشير إلى ما يتوجب الحديث عنه، وعدم إنكاره أو السكوت عنه.
لا أحد عاقل إلا ويرحب بعودة الدفء والحوار بين المتخاصمين أو المتنافسين، والتوصل إلى إنهاء النزاعات وبناء الجسور، والتشاور.
باركت الإمارات كل حوار يمني وطني جامع، قبل هذه الأزمة الراهنة، وخلالها وبعدها، لما لأية مغامرات أو تصدع أو تنافس عبثي أو شهية لتوسيع نفوذ، من مخاطر على موازين القوى العربية، في خرائط الإقليم ومنافذه ومحيطه.
لا الإمارات ولا السعودية ولا سلطنة عُمان أو غيرها، أمامها خيارات مترفة لمواجهة أي تصدع في هذه الخاصرة الجغرافية المهمة، وبما يُحوّلها من خاصرة فقر إلى خاصرة نار، ومخاطرها أكثر من مجرد انفعالات، وردود أفعال، أو سوء تقدير أو اهتزاز ثقة متبادلة.
من الضروري والحكمة في آنٍ، مراجعة المواقف والسياسات منهجياً على مستوى منظومة التعاون، والمراجعة العاقلة والعارفة والهادئة، أفضل كثيراً من السير في مدارات مغلقة، وفي ظل انفعالات وارتباك، ونكايات لا طائل من ورائها.
نحتاج إلى توفير مناخات حوار وحكمة، تمنع تحوّل فضاءات الإقليم إلى خنادق متقابلة، وحضانات دافئة لتنمية ثقافة الريبة والفتنة.
إن المخاطر والتهديدات الراهنة، في الإقليم وخارجه، تطال الخرائط والأدوار والهويات، ولا أحد آمنٌ داخل شرنقته، ونخطئ إذا صدّقنا أن حليفاً أو صديقاً ينوب عنا في حل أزماتنا.
نعم.. هذه لحظات فارقة من تاريخ المنطقة.. في زمن «القرصنة» الجديدة، التي صكتها (شرعة ترامب).. إعادة النظر وإدراك العبر ممكنان وضروريان في آنٍ.
[email protected]
د. يوسف الحسن
لم يعد السؤال مطروحاً فيما إذا كان الحوار بين الأجيال، في زمن العولمة وثورات التقانة والمعلومات والاتصال، ضرورياً لنقل الخبرات والممارسات الاجتماعية إلى الجيل الشاب، لحفظ الذاكرة الجمعيّة، وجعل التراث، ليس مجرد ماضٍ نرثه، بل مستقبل تصوغه الأجيال معاً، وليظل حيّاً ومتجدداً في حياتنا المعاصرة والمستقبلية، التي تموج بالتغيرات العميقة والتحولات المتسارعة. إنه أكثر إلحاحاً، ويتجاوز مسألة سرد روايات عبرت، إلى بناء جسور بين الأجيال، ترسخ حالة الوعي العقلي والوجداني بالموروث الثقافي، وبالهوية الوطنية والإدراك التاريخي لها.
الحوار ليس مجرد كلام متبادل بين جيل سابق وآخر معاصر، إنما هو تفاعل وممارسة، ونقل لتجارب وخبرات حياتية، ولممارسات اجتماعية، واستلهامها في حياة الجيل الجديد، تدويناً وابتكاراً وإبداعاً.
والحوار الناجع والمؤثر، بين الأجيال، ليس مجرد إشراك الجيل الشاب في أنشطة وفعاليات تراثية، كجمهور أو مستفيدين، بل كشركاء في توجهات المستقبل، وبما يجعل حفظ التراث وإحياءه والوعي به مدخلاً للتمكين المجتمعي.
إن الأسس السليمة للحوار بين الأجيال، في إطار حفظ التراث، تتجاوز شعارات الاهتمام بقضايا الجيل الشاب، إلى بناء ثقافة تأسيسية، وتعليم وتربويات ومهارات، ترسي قيم التقبّل والاحترام للتراكم الثقافي، وتشجيع التفاعل الإيجابي بين الأجيال، كما تتطلب الإصغاء لحكمة وخبرة حياة كاملة، وفي الوقت نفسه، تفهُّم قضايا معاصرة يعيشها المجتمع.
ومن شروط الحوار الصحي بين الأجيال إتاحة بيئة اجتماعية حاضنة له، وبيئة ثقافية تدرك أن التغيرات في البنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية تنعكس على كل جيل، وتعطيه سمات خاصة.
إن الحوار بين الأجيال ضرورة ملحة في كل الأحوال لتبادل الأفكار والرؤى والخبرات، وتعزيز التفاعل الواقعي، ومد الجسور إلى المستقبل، وبناء مجتمع متماسك، وبذاكرة جمعية لا تخبو.
لنعترف أن هناك فجوة نعيشها اليوم بين الأجيال، معالمها واضحة في ضعف التواصل والحوار، فضلاً عن ضعف أو حتى غياب النقاش العام في العديد من المجتمعات العربية، فجوة بين جيل له خبرته الحياتية والعملية، وآخر له «عالمه الافتراضي»، وتجلياته في أنماط السلوك وأنساق القيم، جيل مفعم بروح الشباب، ويعيش عصر «الصورة المعولمة» والمبثوثة عبر الوسائط البصريّة، وشبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، الجذابة والمغرية، وعبر البث الفضائيّ العابر للحدود. يستهلكها بشراهة، تصنع خياله، وتؤسس وعيه بالعالم وبالأشياء، إيقاعها ضاغط، وتصنع الرموز والنجوم والقدوة، وسلطانها في الأثر والنفاذ، أقوى من سلطان الأسرة التربوي، والمدرسة التعليمي.
عاش جيل الآباء والأجداد الثقافة المكتوبة والشفاهية، التي تعمق التأمّل والتفكر، أمّا اليوم فقد تأثرت عادات وتقاليد وأعراف وأنساق قيمية، ولغة (العربية كأداة تفكير وتواصل)، وجميعها عناصر منظومة، تعطي لكلّ مجتمع خصوصيته الوطنية، فضلاً عن متغيراتٍ، أفرزتها تحولات في المستويات الإنتاجية والمعرفية والمعيشية، وفي هيكلية نظم من «القبيلة إلى الدولة».
نعم.. تعرضت مجتمعاتنا العربية لتغيرات كبيرة، وأسهم التعليم القاصر، الذي لا يُحسن فن الحوار والنقاش البنّاء والتفكير النقدي في تعميق الفجوة بين الأجيال، ما ولّد سوء فهم متبادلاً، وانقطاعاً معرفياً بين الأجيال، فضلاً عن دور «الضجيج الرقمي»، «وسجن» الشاشات في ترسيخ هذه الفجوة.
إنّ الحوار بين الأجيال ضرورة وطنية ملحة، لملء فجوة تكبر باستمرار، بخاصة في زمن التسارع في التحولات، وبروز عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تعاد صياغة أدوار الجيل الشاب، كشريك فاعل، في رسم خريطة توظيف التقانة لخدمة التراث واحترامه، لا مجرد مستخدم لهذه التكنولوجيا.
نحتاج إلى بناء الجسور بين الأجيال، لتعزيز نقل المعارف والخبرات والموروثات والممارسات الاجتماعية بسلاسة ويسر ووعي، باعتبار أن هذه الممارسات الاجتماعية تسهم في التنشئة، قيماً وسلوكاً، وتعزز الهُوية الوطنية للفرد والجماعة، وتنظم العلاقات بين أفراد المجتمع، بما يحقق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، ويوفر سبل التمكين للأجيال الشابة.
نحتاج إلى خطط وتدريب وبرامج ومبادرات تجسر الفجوة بين الأجيال، في ظل التحديات الراهنة والمستقبلية. ونحتاج أيضاً إلى مراجعة الموروث الثقافي، وقراءة نقدية تنقّيه (وهو صناعة بشرية قابلة للنقد) وتمنحه القدرة على مواكبة العصر، من خلال الفهم العميق والحي، بما يجعله قادراً على المشاركة الفاعلة في محركات ومتطلبات التنمية المستدامة والشاملة، وبما يعزز الوعي الجمعي بذاكرة ثقافية وهوية وطنية، وعناصرها الأساسية. كما نحتاج إلى استخدام التقانة في نشره، وتعزيز الوعي بأهميته والتفاعل معه، فنوناً وسرداً وتمثّلاً، ودمجاً لمفاهيمه في المناهج الدراسية، والإعلام والدراما، وربطاً وجدانياً بالتراث الثقافي، والثقافة الشعبية لدى الأجيال الشابة، فللتراث الثقافي أهمية كبيرة لدراسة تاريخ أي شعب، وفهم تطوره عبر الأجيال.
إن الحوار للتجسير بين الأجيال هو بناء حالة تصالح بين التاريخ (الموروث الثقافي) والحاضر والمستقبل.
[email protected]
د. يوسف الحسن
لم تكن خطبة صلاة الجمعة في أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، مجرد خطبة روتينية للوعظ والتذكير، تداولها البعض متندراً، وتساءل آخرون عن مقاصدها، وما وراء دعوتها الشباب إلى الزواج، والتذكير «بالمثنى وثلاث ورباع المشروطة بالعدل».
في الملتقى الثاني لمفكري الإمارات، والذي نظمه مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية في 28 يناير/ كانون الثاني الماضي، توقفنا، أمام محور مهم يحمل عنواناً مثيراً للقلق: «شيخوخة المجتمع: أين نحن الآن؟».
تابعت مع زملاء وأصدقاء، ما أثاره مغير الخييلي، رئيس دائرة تنمية المجتمع في أبوظبي، من قضايا ومبادرات، ذات صلة بمسألة «شيخوخة» مجتمع الإمارات، وما تطرحه من تحديات تهدد مستقبل الديموغرافيا الوطنية، وتتطلب مبادرات لتعزيز دور الأسرة، وتشجيع الشباب على الزواج. والسعي الجاد لرفع معدل الخصوبة Fertility Rate في المجتمع الوطني.
من نافل القول، أن نخباً مثقفة وأكاديمية، تحدثت منذ أكثر من عقد من الزمان، عن مخاطر انخفاض معدل الخصوبة في المجتمع، حينما وصل في نهاية القرن الماضي إلى (2.7) طفل لكل امرأة، لكن لا أحد كان يتوقع أن ينخفض هذا المؤشر إلى (1.4) بحلول عام 2022، وفقاً لإحصائيات البنك الدولي. وقد ترافق ذلك مع اتجاه الهرم السكاني الوطني نحو الشيخوخة، ما يعني في نهاية المطاف، تراجع عدد السكان المواطنين، فضلاً عن تداعيات سلبية تطال الكثير من القطاعات، وبخاصة في ظل تركيبة سكانية عامة مختلة، وتحولات عالمية يصعب التكهن بمآلاتها وطبيعتها.
ورغم أن الشيخوخة السريعة، الناتجة عن انخفاض المؤشر القياسي الديموغرافي للخصوبة، قد أصابت العديد من المجتمعات النامية والمتقدمة، إلا أن ذلك الانخفاض، استغرق في دول متقدمة ما بين 80-120 عاماً، في حين أن الانخفاض في معدل الخصوبة في الإمارات، كان سريعاً، وجرى خلال أقل من أربعين عاماً.
إن معدل الخصوبة المنخفض عن المعدل الإحلالي والضروري لاستدامة استقرار عدد السكان والمقدر بـ(2.3)، يصعب التحكم فيه، ويشكل عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد والتنمية والميزانيات الحكومية، ونظم الرعاية الاجتماعية، والإنتاجية، وعلى أعداد القوى العاملة، وغير ذلك في القطاعات الرئيسية.
وها هي مجتمعات متقدمة، وذات نجاحات اقتصادية مبهرة، قد انخفضت فيها معدلات المواليد، ووصل في بعضها كاليابان، إلى مستوى أقل من (1.4). وأمست «مجتمع شيخوخة فائقة»، منذ عقد ونصف العقد.
وكذلك الأمر، في كوريا الجنوبية؛ حيث شهدت انخفاضاً قياسياً في معدل الخصوبة (1.1) في السنوات الأخيرة، واستثمرت كوريا الجنوبية في مواجهة هذه الكارثة أكثر من 280 مليار دولار في البرامج الاجتماعية الرامية لتشجيع وتنمية الأسرة التقليدية.
كما انتشرت هذه الظاهرة في أوروبا، في دول مثل: ألمانيا وفرنسا والسويد وفنلندا وغيرها.
وتشير إحصائيات دولية، أنه بحلول عام 2050 يتوقع أن تكون أعمار ثلث عدد سكان أوروبا فوق 65 عاماً. وتذكر بيانات أوروبية، أن مدارس للأطفال في بعض القرى الألمانية، قد أغلقت أبوابها؛ بسبب ندرة الأطفال فيها.
وفي آسيا أيضاً، تراجعت أعداد المواليد في دول مثل: تايوان وهونغ كونغ وسنغافورة، فضلاً عن الهند، والتي كانت نموذجاً للنمو السكاني السريع؛ حيث شهدت الهند في السنوات القليلة الماضية، انخفاضاً حاداً في معدل الخصوبة، والذي وصل إلى (1.9)، بعد أن كان نحو (5.7) قبل سبعة عقود.
وفي الإمارات، كمجتمع (دولة رعاية Wel fare state)، شهد ازدهاراً اقتصادياً متسارعاً، وتحولات بنيوية ومؤسساتية ومتغيرات ثقافية واجتماعية، تركت آثارها في العديد من المرجعيات الوطنية، من تقاليد وأعراف، وترتيب أولويات، وتوسيع في الخيارات، وجاءت في سياق صيرورة التحولات التاريخية والمجتمعية خلال العقود الستة الماضية، فضلاً عن ثورات الاتصال والمعلومات والمعرفة والتقانة والعولمة، وتغيرات الديموغرافيا العامة في البلاد.
تحولات عميقة متسارعة جرت، وتشكلت أنماط حياة مرتبطة بالرخاء الاقتصادي، من بينها «ثقافة عمل» حديثة غير صديقة للأسرة، وارتفاع معدلات السمنة التي تؤثر في معدلات الخصوبة وأكلاف عالية لحضانة الأطفال، وتربيتهم، في نظام تعليمي تنافسي.
كما جرت تغيرات في عناصر القيم وأنساقها، وفي أدوار المؤسسات التقليدية للتنشئة، تعطّل بعضها، وتآكل بعضها الآخر، ودخلت هذه المؤسسات التقليدية، في منافسة مع مصادر أخرى للتنشئة أفعل وأكثر بهرجة وإغراء، وأفتك.
ورأينا كيف ارتفعت مؤشرات ثقافة (الاستهلاك البذخي)، وثقافة «الربح السريع»، و«تأليه» قيم السوق المتفلت بلا ضوابط، وكيف تغير أنموذج «القدوة» لدى الأجيال الشابة، وسادت أنماط سلوك وتفكير لدى جيل شاب، رأت أن (التقدم المهني، له الأولوية على تكوين الأسرة) واعتقدت أن (جودة الحياة تتطلب عدد أطفال أقل).. إلخ.
إن بناء وتعزيز منظومة قيم، تُعلي من شأن وقيمة «الخصوبة»، والأسرة المتماسكة والمسؤولية الاجتماعية والوطنية، والقيام بالواجبات تجاه الوطن، أكثر مما يُطلب من حقوق ومنح وغنائم. إن هذا البناء والتعزيز لا ينجزان بين عشية وضحاها، إنما سيأخذان مساراً قد يكون طويلاً ومتشعباً، في البيت والمدرسة والجامعة والنادي والمؤسسة والمجتمع المدني، ومن الصعب عزل مفردات القيم عن بعضها، باعتبار أن القيم تنتظم عادة في نسق قيمي هرمي مترابط، ومرتب حسب أهمية القيمة وأولوياتها.
إن تأخر الزواج والإنجاب، وتزايد ظواهر الطلاق، والاختيارات السلبية للأجيال الشابة في قضايا الأسرة هي مسائل لا تتمّ في فراغ، وإنما تأتي في إطار تحولات قيمية وثقافية، وتراجع في بعض عناصر منظومة القيم الإيجابية، ونقص في وعي الأجيال الشابة بمخزون هائل وثري من قيم الأسرة في موروثنا الوطني والعربي والإسلامي.
نعم.. هي مسؤولية وطنية. لا تخص دائرة حكومية هنا أو هناك، أو وزارة معينة أو قطاعاً اجتماعياً أو ثقافياً أو إعلامياً. والقلق بشأنها مشروع، وتحدياتها كبيرة وثقيلة، وذات صلة بالنسيج الاجتماعي، وبحفظ المجتمع الوطني البشري، وبما يضمن استمراره وتماسكه وعافيته، وباعتبار أن التكاثر البشري هو عنصر أساسي للحياة.
نعم.. إن صوت المجتمع، وفي «عام المجتمع»، مهم جداً لمواجهة تحديات «شيخوخة المجتمع»، والنهوض بإرادة الأجيال الشابة وبوعيها.
[email protected]
د. يوسف الحسن
في الذكرى الثالثة والخمسين لتولي صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي مقاليد الحكم في إمارة الشارقة، نحتفي بقائد نبيل، بصاحب مشروع وطني وقومي وإنساني، بمعلم ومربٍ له قدر عال من المصداقية، وأخلاق المسؤولية القائمة على فكرة الواجب تجاه الإنسان والوطن.
نحتفي بمن امتلك الخطاب الدافئ، المكتنز بالحكمة والأصالة والقيم النبيلة، وبمرجعية أخلاقية في التواضع والتراحم، والسريرة النقية، والغيرة والمروءة والنخوة الإنسانية، والروح المفعمة بالخير العام، ودائم التسبيح في ممارسات حياته اليومية، وقد اكتسب من خلال محبة الخير للناس وللوطن وإعلائه معاني الثقافة والمعرفة، تقدير كل من عرفه، القريب والبعيد.
يملك رؤية فكرية ثرية في ما يكتب من نصوص بحثية وتاريخية، وإبداعات أدبية، ويمسك ببوصلة متماسكة في بنيانها، لا تعرف اليأس أو البطالة، ولا تعيقها أعباء الحكم وحمولاته ومسؤولياته.
إيمانه كبير وواثق بدور التربية والكلمة والثقافة والمعرفة والعلوم والأخلاق، ورأس المال الاجتماعي، في بناء الإنسان السويّ والمنتج، وتطوير المجتمع، وبناء السلم الأهلي وحفظه. يتوغل في نقد وتصحيح ما تشوّه في سرديات مؤرخين تجاه العرب والمسلمين، يبحث في هجرة الأنباط إلى الجغرافيا العربية في جزيرة العرب وجنوبها وسواحل عُمان والإمارات وحوض الخليج العربي، ويحقق في ما روته حركة الاستعمار في المنطقة، ويستشعر الشوق إلى قصة الأندلس في أزمنة الصعود، وأزمنة الغروب وأحزان الموريسكيين المسلمين، ويشيّد أيقونات ثقافية وحضارية رائدة. هنا يستحضر بيت الحكمة العباسي ويزرعه في إمارة الشارقة التي وهبت نفسها للثقافة والمعرفة، وهناك يؤسس مراكز ومعاهد ثقافية عربية للحوار بين الحضارات والثقافات، في قرطبة وغرناطة وميلانو الإيطالية وغيرها، يرمم المجمع العلمي المصري، بعد أن أحرقه الإرهاب الأعمى، ودمر فيه أكثر من مئتي ألف كتاب، ويهديه مجلدات (وصف مصر) التي لا تقدر بثمن، ويرمم دور عبادة لمسلمين، وأخرى لنصارى أرمينيا، لأقدم كنيسة فيها.
أيقونة أخرى لها أبعادها القومية ولمقومات الهُوية الوطنية، تحمل طعم الحلم الذي راود أمة العرب منذ عقود وربما قرون، الحلم الذي كان ضرباً من الخيال العربي، قبل قرن، وهي أيقونة المعجم التاريخي للغة العربية بمجلداته المئة والخمسة والعشرين.
تحضر صورته، وأحياناً صوته الدافئ، كصوفي معرفي، بات ليله على التأمل والبحث والتسبيح، يترقب فجراً يلوح بالبشائر لأمته وشعبه، يضيء أمام السالكين دروباً للسلامة والمعرفة والخير العام، والرزق وكرامة الإنسان، يشاهدهم من بعيد، من شرفة قصره في لحظات الصباح الأولى، كما قال ذات حديث بثه تلفزيون الشارقة.
عرفناه كطالب جامعي نجيب، رأى ذات يوم مبكر في حياته في دراسة «الزراعة» وكأن الأشجار هي (شِعر الأرض)، وفي عقود تالية كان راعياً ومؤسساً لبيوت الشِعر، ولمنتديات عربية للشعراء في مدن عربية كثيرة، تعشق الشعر مثله، فضلاً عن لغة الضاد الرسولية.
تعلمنا الكثير من نبله وصبره وإرادته التي لا تعرف اليأس، منذ أيام نادي العروبة في نهاية الستينات، وتأسيس جريدة الخليج ومجلة الشروق، ولا يغيب عن الذاكرة حزنه ووجعه في ليلة «قاهرية» كئيبة عقب إعلان هزيمة عسكرية عربية عام 1967، ورحنا نردد معه قوله (يا ندامة....).
يحضر إلى الذاكرة، في مثل هذه الأيام قبل 53 عاماً، المشهد الحزين لتشييع جنازة المغفور له الشيخ خالد بن محمد القاسمي حاكم الشارقة في صبيحة يوم عيد الأضحى، في السادس والعشرين من يناير 1972.
وما زالت ذكرى تلك الأيام الثلاثة التاريخية حية في الذاكرة والمذكرات المكتوبة، ومنها أيضاً ذلك المشهد التاريخي، حينما تم انتخاب الشيخ سلطان حاكماً لإمارة الشارقة، في اجتماع لشيوخ القواسم، وكبار أعيان إمارة الشارقة، جرى قبل ظهر يوم الخامس والعشرين من يناير 1972، في مجلس (فيلا) بمنطقة الفيحاء، كان يضم مكتباً للحاكم، ويديره سمو الشيخ سلطان، حيث تم تعيينه إثر تخرجه في الجامعة.
هي أيام تاريخية محفورة في الذاكرة، ووثقها في كتبه ومذكراته المنشورة، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان، وأجمع أهل الشارقة، وكل من عرفه وخبره أنه الأقدر على حمل المسؤولية.
بيننا مودة القلب، وذكريات طيبة تسكن النفس ولا تغادرها، ووحدة الهموم الوطنية والعربية، ولذعة الوجع على ما يجري في وطننا العربي من افتراق واحتراب، وابتسامة الفرح والحمد أمام مشاريعه الثقافية والعمرانية والعلمية والإنسانية، المفعمة بالأمل في معاودة صنع الحضارة العربية.
نحيي في هذا اليوم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، المربي والمعلم والرائد، الذي حمل رسالة المسؤولية بأمانة وجدارة وثقة، والتفاف شعبي واسع وقوي. نفاخر بإنجازاته وبحرصه على تماسك الاتحاد وإعلاء شأنه ورخاء شعبه، وأمنه واستقراره، ونسأل الله أن يحفظه، ويمد في عمره، ويمتعه وأسرته وسمو الشيخة جواهر، بالصحة والعافية، ويديم على الإمارات نعمة الخير والأمن والأمان والرخاء، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يوفق صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يشمله دائماً بكريم رعايته وحفظه، قائداً فذاً، له كل الحب والوفاء والتقدير.. أعزّه الله وحماه.