نقرأ لنفهم ونكتشف ونتأمل، ونقرأ لنشغل العقل بالتفكير، وامتلاك الشعور بفهم الذات وهُويتها، ومعرفة الآخر والأفكار المغايرة (لتعارفوا) وإدراك أسرار الخلق والكون والنفس البشرية، وصولاً إلى السكينة الداخلية، ومواصلة رحلة اليقين، والبحث فيما يملأ كياننا بالحقيقة والطمأنينة، ويُحفِّز الخيال.
كلما دلفت إلى مكتبتي (صومعتي)، تُلقي عيناي السلام على مؤلفي كتبها، وعلى أبطال روايات، وشعراء وفنانين وباحثين ومؤرخين وفلاسفة وعلماء.
هناك كتب تطالعها أكثر من مرة، وأخرى تستشعر بأن أفكارها ومؤلفيها مبثوثة في المكان.
أذكر أنني عدت إلى قراءة كتاب «منطق الطير» للمرة الثانية، حينما شاركت في ندوة فكرية، نظمّها ديوان ولي عهد أبوظبي في نوفمبر عام 1999، حول «الإسلام والغرب في الألفية الجديدة»، وشارك فيها الملك تشارلز، الذي كان وقتها ولي عهد بريطانيا وأمير ويلز، وألقى فيها خطاباً أشار فيه إلى ما كتبه الشاعر الصوفي فريد الدين العطار في كتابه «منطق الطير» عن رحلة الطيور بحثاً عن المعرفة ومحبة الله، وازددت إيماناً وقناعة بأن الإقلاع عن القراءة هو الذهاب مع سبق الإصرار إلى شيخوخة العقل والروح في آن.
لفت انتباهي، وأنا أستكمل قراءة كتاب «تاريخ القراءة» للكاتب والروائي الأرجنتيني ألبرتو مانغويل، الكتاب الرائع الذي يسرد حكايات الحب العظيم بين الإنسان والكتاب، قصة نشأة النظَّارة التي يستخدمها معظم القراء من جيلي، ننظفها بمنديل ورقي، أو بطرف «الغترة»، أو بربطة عنق، ونثبتها على الأنف، وخلف الأذنين.
ويسرد الكتاب عدداً من القصص التاريخية للنظَّارات، من بينها قصة قارئ نهم للغاية، ينجو وحده إثر كارثة نووية، حيث تصبح كل كتب العالم تحت تصرفه، إلّا أن نظَّارته تنكسر مصادفة.
ولم يكن أمام القّراء في أزمنة بابل وروما واليونان، اختيارات أخرى، قبل اختراع النظَّارة، سوى الطلب من «عبيدهم» أو «خدمهم» قراءة الكتب المحفوظة (وقتها) عليهم.
ومن غير المعروف من هو أول مخترع للنظَّارات، إلّا أن أشهر علماء البصريات هو العالم المسلم الحسن بن الهيثم المتوفى عام 1040م، هو أول من أسس علم البصريات، ومنها العدسات المحدبة والمقعرة، وصولاً إلى اختراع المجهر في أوروبا، في النصف الثاني من القرن ال13.
عرفت الصين أصول الطباعة في القرن التاسع الميلادي باستخدام القوالب الخشبية، لكن طباعة الكتب لم تنتشر إلّا إثر اختراع الألماني يوهان غوتنبرج المطبعة الحديثة، في منتصف القرن الخامس عشر.
ومع ازدياد أعداد قرّاء الكتب، تطورت صناعة النظَّارات الخاصة بالقراءة، وأصبحت النظَّارة علامة للمثقفين والعلماء وبدأت تظهر في اللوحات الفنية لكبار الرسامين.
ويروي مؤلف كتاب «تاريخ القراءة» أن لوحة من القرن ال 11 معلقة في كنيسة في فيينا، تسجل لحظة البكاء على العذراء أم المسيح عليه السلام، وظهر فيها أحد الأطباء، قد أضيفت إليها نظارة على عيني الطبيب، بعد مرور أكثر من ثلاثة قرون، من أجل منحه الهيبة والوقار، وإشارة إلى أن أذكى العلماء لم يتمكن من شفاء العذراء مريم.
وفي قرون تالية، ظهرت النظَّارة ومعها الكتاب، كشعار للحكمة، وفي الوقت نفسه شاهد الناس رسوماً ساخرة تمثل شخصاً يجلس وراء منضدة في مكتبة، محاطاً برفوف من الكتب من جميع الجهات، وعلى رأسه غطاء يشبه غطاء رأس الطفل، ونظَّارة كبيرة فوق أنفه.
كما شاهد الناس صوراً ورسومات أخرى لحمار يقف وراء منصة للخطابة بنظَّارة على عينيه، وبيده عصا، ويقرأ في كتاب ضخم أمام جمع من الحيوانات، وقيل إن هذه الرسوم الساخرة عكست حنق عامة الناس على مثقفين وكُتاب يعيشون في «أبراج عاجية».
كثيرون ممن شاهدوا فيلم عمر المختار للمخرج مصطفى العقَّاد، (قُتل في حادث إرهابي في عمَّان عام 2005)، الذي سجَّل سيرة هذا البطل العربي المقاوم للاحتلال الأجنبي لبلاده، يتذكرون كيف سقطت نظَّارة عمر المختار الذي مثَّل شخصيته الفنان الشهير أنطوني كوين، أثناء إعدامه شنقاً، وقد التقطها طفل ليبي، في تلك اللحظة المؤلمة.
كانت النظَّارة بمثابة رمز للكرامة الوطنية والأمل الذي لا يغيب وللحرية والعدالة، وقيل إن مقتنيات عمر المختار الشخصية، سيما محفظته الجلدية ونظَّارته، نُقلت بعد إعدامه إلى متحف في روما.
نتذكر أعمالاً أدبية وسينمائية عظيمة عن الكتب، وعن منعها أو حرقها، من بينها رواية «فهرنهايت 451»، التي تدور أحداثها في مدينة أمريكية تُحظر فيها الكتب والتفكير النقدي، ويقوم «رجال الإطفاء» بحرق أي كتاب يتم العثور عليه، وتتحدث الرواية عن مجتمع تلك المدينة المتقدم تكنولوجياً، ويعتمد المراقبة الإلكترونية والروبوت الآلي ذات الأرجل الثماني، لمطاردة واصطياد من يقتني الكتب.
......
نعم، إن القراءة هي ما يُميَّز النوع الإنساني، ولا تتشكل هُوية الإنسان الثقافية إلّا بالقراءة المستدامة.
في شهر القراءة
25 مارس 2026 00:53 صباحًا
|
آخر تحديث:
25 مارس 00:53 2026
شارك