الحسين الزاوي

الحديث عن علاقة الدين بالسياسة موضوع قديم ويبدو مستهلكاً في بعض الأحايين، بيد أن طرحه من ناحية تأثيراته الجيوسياسية الراهنة يجعله يفرض نفسه على النقاش العمومي لدى النخب السياسية والأكاديمية المهتمة بإشكاليات العلاقات الدولية. ولا يتعلق الأمر فقط بعودة الدين للعب أدوارٍ أساسية في المشهد السياسي، فهو لم ينسحب أصلاً بشكل كامل، بل يتعلق بحاجة اليمين الشعبوي في معظم دول العالم، لاسيما في الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، إلى توظيف الدين من أجل كبح جماح الديمقراطية الليبرالية، التي يرى المحافظون أنها أخلت بالتوازنات التقليدية للمجتمعات وبالغت في تشجيع قيم الفردانية والحريات الشخصية على حساب التماسك الداخلي للنسيج المجتمعي، ومن ثم فإن هناك من يرى أن وجود ترامب على رأس أقوى دولة في العالم، وجلوس ليون السادس عشر على عرش البابوية في الفاتيكان، من شأنهما أن يُسهما في ميلاد توازنات جيوسياسية جديدة.
يمكن القول إن هناك أموراً كثيرة قد تغيرت خلال أقل من عقدين من الزمن، فمن خطاب باراك أوباما في القاهرة الذي كان موجّهاً إلى العالم الإسلامي، إلى خطاب دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر/ أيلول الماضي، انتقلت أمريكا بسرعة البرق من دولة تدافع عن القيم الليبرالية وتعطي دروساً للدول العربية والإسلامية حول التسامح، إلى دولة محافظة تدافع عن القيم الدينية وتمجّد شكلاً غير مسبوق من أشكال «المسيحية الصهيونية» التي تواجه العالم برمته وتقف إلى جانب إسرائيل.
ويرى المراقبون أن الدّين يحضر في المشهد الدولي المعاصر بصيغ متعددة لا تتقاطع بالضرورة مع صورة الأديان كما ألفناها، لكنه يمثل ظاهرة تلعب أدواراً مؤثرة في إعادة تشكيل خريطة العالم، ففي روسيا على سبيل المثال حاول بابا الكنيسة الأرثوذوكسية كيريل أن يقدّم تبريرات لاهوتية لما تسميه موسكو بالعملية الخاصة للجيش الروسي في أوكرانيا، وفي الولايات المتحدة حاول نائب الرئيس الأمريكي فانس التأثير في مجريات اختيار البابا الجديد للفاتيكان في روما، وفي المجر يدافع رئيس وزرائها عن القيم والهوية المسيحية لأوروبا في مواجهة الهجرات المتعاقبة القادمة من الشرق.
ويتزامن هذا التوظيف المتزايد للدين من طرف كبار المسؤولين في العالم، مع انتشار غير مسبوق للنزاعات في مناطق مختلفة، فهناك ما يقرب من 61 نزاعاً في العالم تتورط فيها 36 دولة من القارات الخمس لاسيما في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، ولم يشهد المجتمع الدولي هذا العدد الهائل من المواجهات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لقد كان واضحاً لمتابعي خطاب ترامب أمام الأمم المتحدة أنه يتعمّد توظيف الدين للدفاع عن مصالح بلاده ومصالح اليمين الأمريكي الذي أوصله للسلطة، وبالتالي فإن خطابه لم يكن موجهاً لخصومه فقط، بل كان موجّهاً بدرجة أكبر لحلفائه الأوروبيين المتمسكين بالليبرالية والذين يتسامحون بشكل كبير مع الهجرة القادمة من الشرق، وأكد في السياق نفسه أنه يجب الدفاع عن حرية التعبير التي من شأنها حماية الحرية الدينية لاسيما بالنسبة للعقيدة المسيحية التي تبدو الأكثر اضطهاداً في الكرة الأرضية، وأشار إلى ضرورة الدفاع عن القيم التي تجعل الدول الغربية أكثر قوة مثل قيم الإيمان والعائلة والسيادة لأن الدفاع عن الحرية الدينية هو جزء من الدفاع عن السيادة الوطنية وعن القيم التقليدية التي يدعمها الدين. ويرى بذلك المراقبون أن النظام الليبرالي الذي تزعمته أمريكا طيلة أكثر من 80 سنة، باتت تنظر إليه واشنطن بوصفه عبئاً مكلفاً بالنسبة لها ويعيق حرية حركتها عبر العالم.
وتشير الباحثة دلفين أليس في مؤلفها الصادر سنة 2021 والموسوم: « الدين والعلاقات الدولية»، إلى الدور الفاعل للعامل الديني حتى في الدول الأوروبية التي تأسست فيها سلطة الدول على حساب سلطة الكنيسة، حيث يحضر الدين بصيغ وأشكال مختلفة في المجال السياسي في سياق مستويات ومقاربات مختلفة، فهناك أحياناً إضفاء للطابع السياسي على الانتماء الديني، وتلوينات عقائدية للصراعات السياسية، وبالتالي فهناك العديد من الفاعلين المتلونين بالطابع العقائدي يحاولون فرض أنفسهم على المستويات المحلية، ويدافع فاعلون آخرون عن هويات محلية وتقليدية في مواجهة عولمة أضحى من الصعب السيطرة عليها. وهذا التأثير المتعلق بعودة الظاهرة الدينية لا يجب أن يجعلنا نسقط في تأويل مضاعف للعنصر الديني الذي لا يمكنه أن يبسط هيمنته الكاملة كما كان يحدث في القرون الوسطى.
من الواضح أن التوظيف السياسي للدين كما تمارسه الحكومات اليمينية في العالم، يغلب عليه الطابع الانتهازي الذي يهدف إلى خدمة أجندات انتخابية والسيطرة على أتباع يواجهون مصاعب كبرى على مستوى التمثلات الهوياتية من جهة، وعلى مستوى الوضع الاقتصادي المتردي من جهة أخرى. وتُسهم المنصات الرقمية والثورة التكنولوجية العابرة لحدود الدول في تضخيم العديد من أشكال الوعي الزائف حيث تؤدي وفرة المعلومات الجاهزة إلى تراجع غير مسبوق للعقلانية النقدية، وإلى انتشار ظاهرة وهم المعرفة القائم على التضخم الرقمي.

[email protected]