يحيى زكي
يقول المفكر روبرت آرون في كتابه «ابن خلدون.. سيرة فكرية»: «لو حاولت أن تقرأ كل ما كُتب عن ابن خلدون فسوف تموت قبل أن تتمكن من إنجاز المهمة». تلخص تلك المقولة ولعاً غربياً بصاحب «المقدمة»، وهو من الشخصيات العربية القليلة في تراثنا التي داعبت المخيال الأوروبي على مستويات عدة، فمفكرنا الذي عاش في النصف الثاني من القرن الرابع عشر، كتب ما عُدّ لاحقاً بداية لعلم الاجتماع في فترة كانت أوروبا تتلمس طرائق نهضتها.
يبرز آرون في الكتاب كيف أثّر ابن خلدون في مفكرين كثيرين، خاصة خلال القرن التاسع عشر، في حقبة تأسيس علم الاجتماع الحديث. عربياً أثّر ابن خلدون بقوة، فرسالة طه حسين للدكتوراه في بدايات القرن العشرين كانت عنه، ونستطيع تلمس هذا الأثر أيضاً في مختلف اتجاهات الفكر العربي الحديث والمعاصر بمشاربه المختلفة، اليساري والحداثي والكلاسيكي والليبرالي. ونقرأ كتابات عنه لدى المفكر العراقي علي الوردي والبحريني محمد جابر الأنصاري والسوري عزيز العظمة، فضلاً عن مركزيته في مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري، وداعبت حياته بتقلباته وبعض أحداثها المأساوية أدباء مثل المسرحي السوري سعد الله ونوس، والروائي المغربي بنسالم حميش.
ولكن يلاحظ أن الولع بابن خلدون على المستوى العربي تصاعد بعد هزيمة يونيو 1967، حيث كانت المزاج الفكري يميل إلى التشاؤم ونقد الذات بقوة تصل إلى الجلد، وهما سمتان تتوافران لدى ابن خلدون الذي شهد بدوره اجتياح التتار بقيادة تيمور لنك بلاد الشام.
هذه المركزية لابن خلدون في الفكر العربي المعاصر تطرح سؤالاً بدورها، هل تناسب أطروحات مؤلف «المقدمة» الراهن العربي والدولي الذي نعيش فيه؟ أي هل تنطبق مقولته الأشهر حول ازدهار وانهيار الحضارات وتحديد عمر الدول بثلاثة أو أربعة أجيال على البلدان المعاصرة؟ هي مسألة فيها نظر، فهناك بلدان عاشت مزدهرة لقرون، ولم ينطبق عليها هذا القانون الذي لا يزال يردده البعض.
وهناك مقولة أخرى شهيرة لابن خلدون تؤكد أن الترف مفسد للحضارة، يرددها بعض كتابنا حتى الآن كأنها من المسلمات، من دون التمييز بين الترف الذي قصده مفكرنا والرفاهية التي أصبحت إحدى سمات العولمة الراهنة المتمثلة في تفشي نزعة الاستهلاك، هذا فضلاً عن انتشار مصطلح «دولة الرفاه» للدلالة على بلدان عدة وصلت إلى مستويات متقدمة في التنمية.
توفي ابن خلدون في عام 808 هجرية، وفي مقدمته هناك حس واضح بأفول شمس الحضارة الإسلامية، وتفكك الكثير من البلدان العربية وذهاب «عصبيتها»، وفق تعبيره، ولذلك كتب عن مختلف العلوم كأنه يؤرخ لها، وفضلاً عن جائحة التتار شهد في طفولته وباء الطاعون الذي توفي على أثره أفراد من عائلته، وكلها ظروف أسهمت في أفكار ومشاعر معينة سادت «المقدمة». وإذا كنا نعجب ونندهش بقدرة كاتبها على التحليل، فإنه برغم ذلك يظل في العمق وفياً لزمنه وحدود علوم عصره وتقلباته، بمعنى أننا يمكن أن نستفيد من رؤيته ومنهجه، ولكن تبقى صحة مقولاته تحتاج إلى المراجعة وربما التصويب.