يسرا عادل

في صباح الثلاثاء 30 سبتمبر/ أيلول 2025، ارتجفت أرض قاعدة مشاة البحرية في كوانتيكو تحت وقع خطوات كبار القادة العسكريين، كما لو أن الأرض نفسها تهمس بأن التاريخ يُكتب بأقدامهم، وأن لحظة جديدة من صراع السلطة والانضباط على وشك الولادة، اجتماع نادر جمع وزير «الحرب» بيت هيغسيث والرئيس دونالد ترامب مع أكثر من ثمانمئة من كبار القادة العسكريين، ليكون المشهد أكثر من مجرد لقاء روتيني، كان مسرحاً تتقاطع فيه السياسة بالغضب والانضباط بالقوة الرمزية والقرارات بخطوط الولاء، في محاولة لإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية على قياس رؤية محافظة صارمة، حيث تصبح كل كلمة سيفاً وكل معيار رسالة وكل تهديد اختبار ولاء وكل تحذير إعلان قوة.
بدأ هيغسيث خطابه بغضب مدوٍ، مستعرضاً ما اعتبره انحلالاً في الجاهزية العسكرية، من البدانة غير المقبولة إلى ثقافة التنوع والشمول المفرط التي تهدد الانضباط، معايير اللياقة البدنية الصارمة، التي تشمل اختبارات نصف سنوية لجميع العسكريين بغض النظر عن الرتبة أو الجنس، لم تكن مجرد قواعد صحية، بل رمزاً للانضباط الكلي الذي يطالب به وسلاحاً رمزياً في حرب إعادة تشكيل المؤسسة، هجومه على برامج DEI، التي تدعم النساء والأقليات، يعكس نية واضحة لإعادة الجيش إلى نموذج ذكوري تقليدي، حيث تصبح الولاءات السياسية أولوية على الكفاءة المهنية ويُخفَّض من دور التنوع كعامل استراتيجي حاسم في ساحات الصراع المعقدة، ليصبح الجيش ليس فقط أداة دفاع، بل امتداداً للرؤية السياسية.
ترامب، بدوره، أضاف بعداً سياسياً داخلياً وخارجياً، بالحديث عن استخدام المدن الأمريكية كميادين تدريب وتحذيره للقيادات غير الموالية، ليحوّل الاجتماع من مراجعة خطط إلى اختبار ولاء، كل كلمة له كانت رسالة مزدوجة: داخلياً لتأكيد ولاء الجيش للإدارة وخارجياً لإظهار القوة والسيطرة، الاجتماع لم يكن مجرد استعراض للقوة، بل كان مسرحاً للهيمنة الرمزية، حيث تتشابك السياسة بالغضب والانضباط في صراع غير معلن على النفوذ والسيطرة داخل المؤسسة وكأن كل معيار بدني وكل تهديد سياسي كان يخط خريطة مستقبل الجيش قبل أن تُخاض أي معركة فعلية.
ردود الفعل لم يتأخر، فقد أثار الاجتماع قلقاً واسعاً داخل أروقة البنتاغون، الديمقراطيون اعتبروا الاجتماع تهديداً لحيادية الجيش الأمريكي، محذرين من تسييس المؤسسة، بعض القادة العسكريين عبّروا عن خشيتهم من أن التركيز على المظهر البدني والولاء السياسي قد يضعف الجاهزية القتالية ويُهمش الكفاءات الحقيقية، الإعلام وصف الخطاب ب«الانقلاب الرمزي على التنوع والقيادة التقليدية»، بينما رأى مؤيدو هيغسيث أنه إعادة انضباط وصرامة ضرورية للمؤسسة.
وفي الأيام التي تلت الاجتماع، لم تتوقف التغييرات عند الكلمات، بل امتدت إلى صفوف كبار القادة العسكريين والاستخباراتيين، فقد تنحّى الفريق أول جيفري كروز، مدير وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية (DIA)، بعد أن أشرف على عملية «Midnight Hummer» وسط غموض حول ما إذا كان قد استقال طوعاً أم أُقيل، وتولت كريستين بوردين مهامه بالإنابة وفي البحرية الأمريكية، طالت الإقالات الأدميرال ميلتون ساندرز، قائد قيادة العمليات الخاصة البحرية والأدميرال نانسي لاكور، رئيسة قوات الاحتياط البحرية والمسؤولة عن جميع أفراد الاحتياط، كما شهدت المؤسسة العسكرية استقالات متتالية في صفوف القادة الكبار، من بينهم الجنرال توماس بوسير، قائد قيادة الضربات الجوية العالمية، والجنرال براين فينتون، قائد القيادة الخاصة الأمريكية (SOCOM)، من بعد الجنرال تيموثي هو، قائد القوات الجوية الأمريكية، والجنرال سي. كيو. براون، رئيس هيئة الأركان لسلاح الجو والجنرال جيمس سلايف، قائد العمليات الجوية العالمية.
وسط هذه التحولات المتسارعة، يشعر كبار القادة العسكريون بضغوط متزايدة، حيث لم يعد التحدي مهنياً فحسب، بل سياسياً بالدرجة الأولى، كل قرار وإقالة يثير توترات بين الولاء والكفاءة، بين الانضباط والاختبارات الرمزية. الجنود الذين اعتادوا على التسلسل الهرمي الواضح يجدون أنفسهم أمام قيادة تعيش حالة من التردد الداخلي، ما يطرح تساؤلات حول تأثير هذا الاضطراب على الروح المعنوية والجاهزية القتالية ويجعل المؤسسة العسكرية مسرحاً للصراع بين السلطة السياسية والحاجة الاستراتيجية للأداء الفعال.
رغم كل ذلك، يظل احتمال حدوث موجة استقالات جماعية ضعيفاً، لكن هذه التحركات تكشف عن أزمة ثقة متنامية داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، حيث تتداخل الولاءات السياسية مع المعايير المهنية.
الأهداف المباشرة للاجتماع كانت واضحة: تعزيز الانضباط والجاهزية البدنية، إعادة هيكلة القيادة العسكرية وإلغاء برامج DEI، مع إعادة تسمية وزارة الدفاع إلى «وزارة الحرب» للتركيز على الردع العسكري، أما الأهداف غير المباشرة، فهي أكثر عمقاً: تسييس الجيش لصالح رؤية محافظة، إرسال رسائل داخلية وخارجية حول الولاء والانضباط وضمان امتثال القادة لتوجهات الإدارة، الاجتماع يكشف استراتيجية لإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية ضمن رمزية الانضباط التقليدي، بعيداً عن أي تعددية ثقافية أو سياسية، ويطرح نموذجاً يحاول فيه كل من هيغسيث وترامب تحويل الجيش إلى امتداد للسلطة السياسية وليس مجرد أداة دفاع وطنية.
وفي ختام هذا الفصل، يبقى السؤال الذي يختصر كل التوترات والمخاطر ويسطع على كل جدار: هل سيظل الجيش الأمريكي حارساً للوطن، مستقلاً وحيادياً، أم سيصبح ساحة للصراعات السياسية، حيث تُكتب المعارك على الورق قبل أن تُخاض في ساحات القتال وتتحول الولاءات إلى معيار للجاهزية أكثر من القدرة القتالية؟ وهل سيكون الانضباط سيفاً للسلام أم رمزاً للسيطرة؟
[email protected]