«النجاح ليس نهائياً، والفشل ليس قاتلاً، إنما الشجاعة في الاستمرار هي ما تصنع الفارق». ونستون تشرشل
***
ليس كل عناد عيباً، فبعضه عز، وبعضه عصب الروح حين يوشك اليأس أن يطفئها. هناك عناد يشبه جذور الشجر التي لا تُرى، لكنها وحدها هي التي تُبقي الساق قائماً في وجه الريح. عناد لا يولد من صخب الأنا، بل من هدوء الإيمان، من يقين داخلي يقول للمرء: امض، ولو ضاقت الأرض بما رحبت، فالفلاح لا يُهدى، بل يُنتزع انتزاعاً من بين أنياب التعب.
ذلك هو العناد المحمود؛ أن تكابر على الانكسار، لا على الحقيقة، وأن تثابر على الحلم، لا على الوهم، وأن تتمسك بالمشروع لأنك تعرف لماذا بدأته، غير أن أخطر ما في العناد أنه لا يدخل إلينا دائماً بوجهه القبيح، بل كثيراً ما يتسلل مرتدياً قناع الكرامة. نظنه وفاء للمبدأ، فإذا هو أحياناً خوف من الاعتراف، ونحسبه صلابة، فإذا به هشاشة تتجمل بالكبرياء، فليس كل من أصرّ كان مؤمناً بطريقه، فقد يُكمل بعض الناس السير، لا لأنهم على صواب، بل لأن التراجع أمام أنفسهم أشد عليهم من الاستمرار في الخطأ. وهنا تحديداً، يصبح السؤال أكثر قسوة من الطريق نفسه: هل أنا متمسك بالحلم، أم متمسك فقط بصورة نفسي وأنا أحمله؟
والطريق، مهما سمت نواياه، لا يسير على استقامة الخيال؛ فالأزمنة تتبدل، والخرائط تتشقق، والرياح لا تستأذن السفن. وهنا لا تكفي الصلابة وحدها؛ لا بد من مرونة النهر، لا يباس الحجر، فتعديل الاستراتيجية، كلما استدعت المتغيرات، وتغيير الوسيلة، إن تعثرت، لا ضير به، لكن لا تبع غايتك في أول مفترق. كن ثابت المقصد، متحرك المسار؛ فالعناد لإتمام المشروع فضيلة، أما الاعتياد على العناد، فمقبرة بطيئة للعقل.
وما أكثر الذين سقطوا، لا لأنهم افتقروا إلى القوة، بل لأنهم بالغوا في الوثوق بها. استمروا بلا خطة، وأصرّوا، لا لأن الطريق صحيح، بل لأن التراجع جرح لكبريائهم. وهنا يتحول العناد من وقود للنجاح إلى حطب للهزيمة، ومن جسر إلى هاوية.
في النهاية، لا تكون البطولة في أن تظل واقفاً فحسب، بل في أن تعرف أين تقف،ولماذا، ومتى تغير موضعك قبل أن يسقط السقف عليك، فكم من إنسان ظن الاصطدام شجاعة، فإذا به كما قالت العرب:
كناطحٍ صَخْرَةً يَوْماً ليوهِنَهَا
فلَمْ يَضُرْهَا وَأوْهَى قَرنَهُ الوَعِلُ
[email protected]