من المفترض أن يحمل كل عمل أدبي، بل كل عمل فني، فلسفة ما، ومن المفترض مرة أخرى أن تستند كل قراءة لأية رواية أو قصيدة أو حتى لوحة بدورها إلى فلسفة معينة، ولكن المشكلة أننا توهمنا لسنوات ونتيجة لكثرة الأعمال التي تخلو، كما نظن للوهلة الأولى من الأفكار، أن هناك أدباً أو فناً من دون مرجعيات فلسفية، وهو خطأ في التحليل وقصور في الرؤية، فالكتابة مهما كانت تبدو لنا سطحية فإنها تعبر أولاً عن سؤال يشغل روح المبدع، وثانياً هي نتاج فضاء متكامل يضم ظروفاً وقوى اجتماعية وخلفيات فكرية، أي ببساطة روح العصر أو فلسفته.
عندما نتجول داخل فضاء الأدب، والرواية تحديداً، في علاقته بالفلسفة فإننا أمام معطيات وجوانب عدة، فهناك الروايات التي تطرح قضايا فلسفية كامنة بين السطور وبطريقة فنية وإبداعية غير مباشرة، أي تحتاج إلى قارئ متمرس ويقظ، وهناك الروايات التي تعبر عن تيار فلسفي أو كتبها فلاسفة والقائمة هنا طويلة تضم فولتير وسارتر وكامو وهي مخصصة للتعبير عن أفكار هذا الفيلسوف أو ذاك، وهناك موضة لا نعرف متى بدأت وما هي أهدافها وتتمثل في كتابة روايات ترصد تاريخ الفلسفة مثل «عالم صوفي» لغوستاين غاردر، أو تتحدث عن أعلام الفلسفة مثل: «عندما بكى نيتشه»، و«علاج شوبنهاور» و«مشكلة سبينوزا»، والثلاثة للروائي أرفين يالوم، وهناك نوعية رابعة من الروايات، اعتبرت لعقود أنها مخصصة للأطفال، مثل «أليس في بلاد العجائب» و«ساحر أوز العجيب» ولكننا اكتشفنا في ما بعد أن جرعة الفلسفة فيها تحتاج إلى تأمل وتفكير.
الفلسفة توأم الرواية، هذا ما نشعر به ونحن نسترجع عشرات الروايات التي شكلت وجداننا وأثارت عقولنا، هل كان من الممكن أن نقرأ دوستويفسكي بمعزل عن أطروحاته النفسية أو الفلسفية؟ هل يمكن أن ننسى أسئلة «الجريمة والعقاب» أو «الشياطين» أو «الأبله»؟ كيف نتذوق خطوات قنديل محمد العنابي بطل رواية «رحلة ابن فطومة»، أو نفهم قلق صابر الرحيمي في رواية «الطريق» أو توتر عمر الحمزاوي بطل رواية «الشحاذ» لنجيب محفوظ، أو بطل كافكا الذي استيقظ ليجد نفسه حشرة عملاقة، أو..أو إلى آخر قائمة لا تنتهي من الأدب الرفيع التي كانت تمتعنا على المستويين الفني والفكري معاً، قبل أن نأتي إلى زمن يقول لنا فيه البعض لابد أن تراعي الرواية وهي تتعاطى الفلسفة الجانب الإبداعي والحرفية الكتابية حتى لا تغرق في الفكر.
إن ما يشعر به المتابع الآن للساحة الثقافية أن هناك العديد من المسائل التي نبحثها بطريقة مفتعلة لا طبيعية، وفي مقدمتها مسألة العلاقة بين الرواية والفلسفة، ففي الماضي عندما كانت الثقافة مزدهرة لم يكن أحدهم ليطرح مثل هذه العلاقة بتلك الكيفية، كان الروائي يكتب، ولأنه يعرف أن الكتابة سؤال وبها قبس من معاناة كانت كتابته تلقائية محملة بقلق عصره وهواجسه.
وفي هذا الزمن صدرت كلاسيكيات الرواية الرفيعة التي عالجت مختلف أسئلة الفلسفة، أما زمننا نحن، زمن الرواية، أو عصر الرواية المفتعلة في الحقيقة، رواية الجوائز والندوات والمؤتمرات وثقافة «الشو»، فكل شيء مصنوع ويتطلب «كتالوج» ومواصفات مسبقة ونصائح ووصايا، ولا ينتج بعد كل ذلك إلا كل ما هو هش ومقلد ويفتقد إلى الأصالة، فإذا طرح أحدهم الآن قضية فلسفية في روايته فنحن نشعر عند القراءة أننا تلاميذ في صف لدراسة هذا المذهب أو ذلك التيار، الأفكار مباشرة والضجيج الفكري يحاصرنا طوال السرد، ضجيج يصل إلى درجة الفجاجة أحياناً، والشخصيات مفكرنة من دون بعد إنساني والرسائل مسطحة لا تكلفنا أي تأمل ولا تحفز مخيلتنا على التفكير.
لا توجد رواية من دون فلسفة، وحتى تلك الروايات الراهنة المزدحمة بالضجيج، تعبر عن ثقافة زائفة نعيش الكثير من سماتها الآن، أي تلخص فلسفة عصر متكامل، عصر نتمنى أن يتخلص سريعاً من كل طابع استعراضي، لتعود إلى الثقافة روحها الحقيقية وأسئلتها الفلسفية الطبيعية.
الثقافة.. بين الطبيعي والمفتعل
13 أكتوبر 2025 23:46 مساء
|
آخر تحديث:
13 أكتوبر 23:46 2025
شارك