يشبه فعل القراءة من وجوه كثيرة الصيام، ففي هذا الأخير قبس من معانٍ تنتاب النفس، وأسئلة تطرحها الذات، ووقت وتمهل، وفرصة لاستعادة مفهوم البطء، بعيداً عن لوثة السرعة التي نعيشها وتوحشت خلال العقود القليلة الماضية. في القراءة والصيام إصغاء ما إلى الذات، واكتشاف لكوامنها وبحث في زواياها وأركانها. في الصيام ابتعاد عن ضوضاء وجلبة تحيط بنا من النواحي كافة والقراءة الحقيقية، لحظة صمت، حيث لا صوت إلا للنص الذي نقرأه.
القراءة فعل نقيض للعجلة، تأمل تام، وروية وتدبر، معها يتحول الانتظار بضجره لدى البعض، إلى فعل متعة، لم يعد ذلك الوقت الفارغ الذي يصيبنا بالملل ولا نعرف كيف نمضيه، ومؤخراً خدعنا أنفسنا وأقنعنا ذواتنا بأن تصفح الهاتف المحمول سيجعلنا ننتصر على الانتظار، ولكنه وهم، حيث تحول الانتظار وبالتجربة مع الهاتف إلى بؤس مضاعف، لم نعرف ملامحه إلا بعد ذلك، الوضع مختلف تماماً في القراءة، أنت هنا شغوف بالانتظار دائماً، أمامك حدوتة قيد الاكتمال، تسعى لمعرفة نهايتها، وكلما كانت جذابة ومؤثرة ومثيرة استمتعت أكثر بانتظاراتك وتمنيت ألا تصل إلى النهاية، وهناك فكرة يعالجها صاحبها رويداً رويداً، يرسمها ويستخدم في ذلك أدوات وخامات وحجج وبراهين، ويتجول بك هنا وهناك، وبين فترة وأخرى تضع الكتاب جانباً، فربما يخطر على بالك سؤال، أو تطرأ في ذهنك فكرة جديدة. القراءة في إبداعها للانتظار الممتع المثير للشغف، في تناقضها مع العجلة والخفة تتماهى مع روح الصيام.
في قلب القراءة هناك تعود على الصبر، أنت تريد أن تفهم أو تعرف ماذا يود الكاتب أن يقول، وكل قارئ محترف مر بهذه المرحلة في حياته، حيث توجد نصوص لا تبوح بأسرارها إلا بعد جهد، وكل قارئ منتظم تعوّد أن يقرأ نصوصاً لكي يفهم نصاً آخر، والصبر هنا لا يختلف كثيراً عن صبر الصائم، في القراءة مكافأة الصبر المباشرة، المعرفة، أو هي إفطار القارئ، بعد جوع عقلي مديد.
الصيام ينمي الإرادة، ويعلمنا التحكم في رغبات النفس المباشرة، والقراءة لا تختلف في ذلك، فبإرادتك تستطيع التهام مئات الصفحات، وبإرادتك أيضاً تتمكن من البحث عن فكرة غامضة أو معلومة مشكوك فيها، ومع القراءة لا شهوة إلا للعين التي وبعد فترة تتحول إلى بصيرة تنجح في قراءة ما بين السطور وما هو مسكوت عنه.
القراءة فعل اختباء يكتسب حميميته وغموضه وسحره عندما نجلس في مكان بعيد وليس معنا إلا الكتاب، أليس الصيام فعل خاص جداً، عبادة لا يشاركنا فيها أحد، فعل أقدمنا عليه باختيارنا الحر، أنت مع الصيام في حالة توحد مع ذاتك وسكينة في الروح، وهو نفس التوحد والانسجام والطمأنينة التي نشعر به ونحن نقرأ.
نحن نردد كثيراً بإنشائية أننا أمة اقرأ، نكرر «الشعار» للتحفيز على القراءة، وخاصة في معدلاتها المتراجعة عربياً، ولكننا ننسى أو نتناسى أن حضارتنا العربية الإسلامية وعلى مدار قرون دارت حول «كتاب»، فكل العلوم الدينية والإنسانية، حتى علم التاريخ والاجتماع، وكل ما أبدعه كُتّابنا وأدباؤنا، هو فهم واستلهام ومقاربة وترجمة للقرآن الكريم، لم يكن أهم ما يميز حضارتنا العمران، وإن أبدعنا فيه، أو القوانين، وإن كانت لنا اسهامات كبرى، أو الفلسفة.. إلخ فكلها حقول معرفية دلت على حضارات أخرى، أما حضارتنا فولدت وازدهرت وأبدعت وأنتجت وأنجزت بفعل الكتاب، وكتابنا الكريم يتطلب الإصغاء، حواسك كلها تصغي، ومجامعك تكون في حضرة الصوت، أنت هنا وخلال الاستماع أو القراءة في لحظة صيام، سواء كنا في رمضان أم لا، صيام عن الحياة بأكملها، أنت في حالة شعورية لا تتكرر كثيراً، حالة تقارب فيها إنسانيتك أو روحك، الأذن تسمع والقلب يتحرك والذهن يتوقد، العين ترى والبصيرة تشاهد والجسد يطرب والروح تتحفز.
كل قراءة حقيقية قبس ولو ضئيل من قراءة الكتاب الكريم، وكل قراءة حقيقية لحظة صيام، ووقت للعزلة بعيداً عن صخب عالم يغترب فيه الإنسان، ولم يعد لديه حتى الوقت الذي يمكنه من معرفة أبعاد اغترابه.
القراءة طوق نجاة. أقرأوا تصحوا.
اقرأوا تصحوا
17 فبراير 2026 00:15 صباحًا
|
آخر تحديث:
17 فبراير 00:16 2026
شارك