ماذا يعني أن تجلس لتشاهد أو تستمع إلى اثنين يتحاوران في أية قضية، مهما كان موضوعها؟، يبدو الموضوع سخيفاً إلى حد بعيد، ويختلف بالتأكيد عن الاستماع إلى كتاب، أو حتى مشاهدة برنامج حواري حول الموضوع نفسه، في حالة القراءة أنت تأخذ جرعة مكثفة حول ما تطالعه، أما في حالة البرنامج فهناك أكثر من رأي ووجهة نظر، في «البودكاست» أنت محكوم برأي أحادي التوجه.
وليست هذه مشكلة البودكاست الوحيدة، فهناك أيضاً سمة البساطة، فما تحتاج إليه يتلخص في توفير مكان مناسب للجلسة وميكروفون وهاتف نقال، هنا بإمكان أي فرد أن يصنع البودكاست الذي يريده، وهو أمر يختلف تماماً عن فكرة الإذاعة، أو التلفزيون في البودكاست المرئي، بمساراتها المعروفة، فهناك فريق عمل وراء كل برنامج، وهناك ما يشبه «الفلتر» قبل وصول البرنامج إليك، لسنا نعني هنا «الفلتر» الرقابي، بقدر ما نعني «الفلتر» المهني، وهي السمة نفسها التي نلاحظها في ما أطلق عليه البعض منذ سنوات قليلة «المواطن الصحفي»، ففكرة أن يمتلك كل إنسان هاتفاً نقالاً يفعل به ما يشاء، هي فكرة تثبت كل يوم أنها لم تحقق أهداف أصحابها، لم تكن بقدر التطلعات والتوقعات، ولم ينجح أي إنسان، عابر، في أن يكون صحفياً، كما أن البودكاست سيشهد المصير نفسه، ولن يلبث أن يتراجع بعد الطفرة التي يشهدها حالياً.
بعض المتحمسين للبودكاست، وخاصة في المجال الثقافي، يرون أنه يذهب بالقضايا الثقافية إلى شريحة جديدة من البشر، ويعتبرون أن هذا مكسب كبير للثقافة، والملاحظ أنه لا توجد دراسات حتى الآن تؤكد هذه النتيجة الانطباعية، أصحاب هذه الحماسة أيضاً يرون أن بإمكان البودكاست أن يعوض بعض الذين لا يقرأون عن الكتاب، وهو وهم أو خداع، لأنه لا يوجد تعويض عن الكتاب، حتى الكتاب المسموع لم ينجح في أن يكون بديلاً عن قراءة العين، تلك التي أصابتها التكنولوجيا فائقة الحديثة في مقتل، ويأتي البودكاست الآن ليزيد الطين بلة، فهو في الحقيقة وفي هذا العصر الذي يميل فيه الجميع إلى الاسترخاء، ويعانون فيه التشتت يخصم من مخزون القراء، بمعنى أن القارئ النظامي المجهد، ربما يترك الكتاب ليستمع إلى «بودكاست»، هنا يصبح هذا الأخير خسارة وليس مكسباً.
فارق كبير بين ثقافة الأذن والعين التي تقرأ، الأولى ثقافة عبور، أما العين المتنقلة بوعي وتركيز بين السطور فتؤسس لثقافة راسخة، حتى في الشعر، الفن القولي الأول، فارق كبير بين أن استمع لمن يقرأ عليّ أشعار المتنبي، وبين أن أطالعها، والمثال العربي هنا شهير، حيث ذهب أحدهم إلى أحد كبار الشعراء، ليسأله أنه يريد تعلم كتابة الشعر، فنصحه بحفظ ألف بيت، أو ألف قصيدة، ولم يقل له استمع إلى ألف قصيدة، فالأذن ليست أداة استيعاب أو تعلم أو بناء وعي، وفارق كبير بين أن استمع إلى بودكاست عن محمد عابد الجابري ومشروعه حول نقد العقل العربي، وبين أن أقرأ كتابه بأجزائه الأربعة، في الحالة الأولى لن أحصّل مهما حاولت أكثر من أفكار متداخلة وكلمات رنانة وآراء جذابة قد أحفظها من المتحدث في البودكاست، ولكنني لن أعرف سياقاتها وخلفياتها، وأتذكر أنني عندما قرأت هذا الكتاب في تسعينات القرن الماضي اضطررت لكي أقرأ عدة كتب في الفلسفة وعلم الكلام واللغة حتى أفهم أفكار الجابري، هنا الفارق الجوهري بين الأذن، العابرة، وقراءة العين الراسخة.
البودكاست ليس أداة ثقافية، وإن كان البعض يوظفونه لذلك، بل أعتقد أنه سينعكس بالسلب على القراءة، وسيزدهر في بيئتنا العربية التي تولي الأذن أهمية تاريخية خاصة، ولن يتبقى لدينا مع هجوم التكنولوجيا الحديثة وأدواتها حتى ناقد يحذرنا من ثقافة الأذن، بل سندخل في عصر «ثقافة الشو»، ثقافة العناوين والآراء المنزوعة من سياقاتها والجمل الرنانة، وإن كان لدينا في عصر سابق من ينتجون الأفكار في الخلفية، فإن هؤلاء انقرضوا الآن.
البودكاست أحد مظاهر مرحلة ثقافية جديدة، تختلف عن الثقافة بمفهومها الجاد والرصين كما عهدناه، مرحلة الأذن والعين العابرة السريعة، مرحلة نعيشها بغض النظر عن قبولنا أو رفضنا لها، مرحلة الأذن التي لا تقرأ وتُوهم جمهور «الشو» أنهم باتوا قراءً.

[email protected]