على الرغم من أنه لم يفقد مركزه بعد كعملة مهيمنة عالمياً، يتراجع دور الدولار في النظام النقدي العالمي تدريجياً. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن حصة العملة الأمريكية من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية قد انخفضت من 65% قبل عقد من الزمن إلى أقل من 58% اليوم.
وبالإضافة إلى التغيرات في احتياطيات النقد الأجنبي الرسمية، تُقاس مكانة الدولار عالمياً أيضاً بمؤشرات أخرى، بما في ذلك كيفية استخدام العملات المختلفة للاستثمار والتسوية العالمية.
ويعكس وضع الدولار بشكل أساسي فعالية حوكمة الإدارة الأمريكية على المستوى الداخلي. وهنا يؤكد التراجع الحاصل لمكانة الدولار وجود مشاكل سياسية واقتصادية محلية، بالإضافة إلى تزايد التحديات الداخلية التي تواجهها الولايات المتحدة، والتي تتسم باستقطاب سياسي حاد وصراع حزبي متفاقم، إلى جانب مشاكل اقتصادية مستمرة.
وعلى وجه الخصوص، سجل الدين القومي الأمريكي مستويات قياسية متكررة، بينما لا يزال عجز الميزانية صعب الحل، ما يقوض الثقة العالمية في سلامة المالية العامة لواشنطن.
وبوصفه الركيزة الأساسية التي تربط الولايات المتحدة بالنظام الاقتصادي العالمي، يعكس تراجع مكانة الدولار العالمية اضطراب تفاعلها مع بقية الدول. إذ لطالما لجأت أمريكا إلى استخدام عملتها كسلاح لتحقيق أهدافها الاقتصادية والدبلوماسية الخارجية، الأمر الذي قوّض المصالح المشروعة للدول الأخرى وقدرتها على امتلاك أصول مقومة بالدولار. وقد أدى فرض الإدارة الأمريكية المتكرر للرسوم الجمركية وممارسة «الضغط الأقصى» على الشركاء الدوليين إلى تآكل الثقة بالسياسة الاقتصادية الأمريكية.
وقد تجلت هذه المفارقة بالفعل. فعلى سبيل المثال، أكدت إدارة ترامب الحالية أن هناك دولاً تنوي توحيد عملتها لتقويض سلطة الدولار الأمريكي. ولذلك، هددت بأن أي إجراءات تضر بمكانة الدولار ستؤدي إلى فرض رسوم جمركية انتقامية أخرى. وفي الوقت نفسه، تعتقد تلك الدول أن تنويع العملات بشكل معقول أمر مشروع وتعبير عن السيادة الاقتصادية الوطنية. ويُظهر إكراه الحكومة الأمريكية على استخدام الدولار بوضوح استعمال العملة كسلاح، ما يُعزز شرعية عملية التنويع.
وفي مواجهة دافع الهيمنة الأمريكية للحفاظ على مكانة الدولار واحتمالية إلحاق ضرر جسيم به، لا خيار أمام الدول الأخرى سوى تقليل اعتمادها عليه. وهذا يستلزم توسيع نطاق استخدام العملات غير الدولارية في مجالات مثل تسويات التجارة، وتمويل الاستثمار، واحتياطيات النقد الأجنبي. ونظراً لأن حصة الدولار في تسويات التجارة الدولية تفوق بكثير حصته في التجارة العالمية، فإن توسيع نطاق هذه التسويات يُمثل نهجاً عملياً.
ويقع السبب الرئيسي وراء «التخلي عن الدولرة» على عاتق الولايات المتحدة نفسها. ولن يكون تقليل الدول الأخرى اعتمادها على الدولار تحدياً متعمداً، بل استجابة عملية لنظام نقدي دولي متزايد الغموض، وهي خطوة تهدف إلى حماية المصالح الخاصة بشكل أفضل.
وإلى جانب الجهود المبذولة لإصلاح المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، لتعزيز تمثيلها، يجب إنشاء آليات مالية دولية جديدة لتلبية احتياجات التمويل لمزيد من الدول.
علاوة على ذلك، لعبت الصين دوراً محورياً في هذه العملية. فمن خلال تضافر جهودها مع شركائها، تأسس بنك التنمية الجديد لدول «البريكس» عام 2014، تلاه البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية عام 2015. حيث يوفر هذان البنكان متعددا الأطراف ضمانات تمويلية قوية للدول والمناطق المعنية. وفي قمة منظمة شنغهاي للتعاون هذا العام، في تيانجين، قررت الأطراف المعنية إنشاء بنك التنمية التابع للمنظمة لتقديم القروض.
يمكن القول إن وجود نظام نقدي دولي أكثر إنصافاً واستقراراً وقابلية للتنبؤ، يمثل الطموح المشترك للمجتمع الدولي والاتجاه السائد في التطور التاريخي. فالدولار الأمريكي ليس مجرد عملة أمريكية، بل هو، بمعنى أو بآخر، منفعة عامة نقدية عالمية. ويجب على الولايات المتحدة أن تتبنى منظوراً أكثر مسؤولية تجاه المكانة الدولية المتطورة لعملتها. وعندما تفشل حوكمة واشنطن محلياً، وتصبح سياستها الخارجية أكثر أحادية وأنانية، فإن هذا لن يؤدي إلا إلى تسريع التحول العالمي بعيداً عن الدولار.