جمع محمد دياب الموسى بين التربية والتعليم، والثقافة، والإعلام في شخصية واحدة قوامها الأول الخُلق، والمعدَن الطيّب، ونُبل النفس، وفي كل حقل من هذه الحقول الرفيعة القيمة والمعنى الحضاري الكريم، كان «أبو حاتم» مثالاً وقدوة للتربوي المسؤول عن بناء الإنسان بكل القيم والأخلاقيات المحترمة العظيمة، كما هو مثال المعلم الذي تجتمع فيه عاطفة الأب مع عاطفة الصديق، مثلما هو أيضاً مثال المثقف الذي يضع المعرفة الإنسانية والأخلاقية أساساً في قراءاته وفي خياراته المفتوحة على الحياة، وأيضاً هو مثال الإعلامي الذي يدرك جيداً متطلبات المجتمع وضوابطه الروحية والثقافية.

عاش محمد دياب الموسى في إطار هذه الثوابت النبيلة التي طبعت شخصيته بالهدوء، واليقظة، والمتابعة، والدقة في العمل، واحترام الوقت، والإصغاء لكل رأي، وملاحظة كل فكرة من شأنها أن تتحول إلى إنجاز.

في بدايات محمد دياب الموسى، أخذه نصيبه إلى الشارقة التي رحّبت به وبنموذجه ومثاليته، كما رحّبت في الأربعينات من القرن العشرين بالكثير من المعلّمين العرب الذين أسهموا في بنية التعليم النظامي المهني في الشارقة. وجد «أبو حاتم» ذاته، أو لنقل وجد الكثير من طبع نفسه ووجدانه هنا في الشارقة مكان قلبه ومكان ذاكرته التي حملها معه من قرية كفر عانة التي ظلّت على لسانه حتى وهو يدخل في شيخوخة الزمن، لا شيخوخة المكان..

بقيت الشارقة دار وديرة «أبو حاتم»، وفي إمارة العلم والكتاب والقراءة عرف الرجل أن نفسه مطمئنة هنا، وأن مدينة المعرفة هي بالضبط مدينة الإنسان.

أعطى «أبو حاتم» كل عمره للعمل الذي أحبّه، وجعل من هذا العمل الموصول والمتعدّد المبادرات والمشاريع تاريخ حياته، وإذا أردنا الحقيقة والإنصاف، فإن تاريخ محمد دياب الموسى هو الصف العزيز الكريم من الطلبة والمتعلّمين والمتدرّبين الذين مرّوا في أفق هذا الرجل الأمين الصالح، وأصبحوا في مواقع العطاء والإنتاج والمسؤولية الأدبية والأخلاقية التي هي أوّل أساسات مدرسة «أبو حاتم».

لم يغب محمد دياب الموسى إلاّ جسداً وكينونة مادية بشرية، أما معناه وتاريخه، وحضوره في الذاكرة، ونقاء سيرته، وروحيته الشفافة، فكل هذا الكمال لا يغيب، ولن يغيب.

عرفته عن قرب في بعض المناسبات والفعاليات الثقافية، وحظيت بلقاء صحفي موسع معه في منزله العامر في الشارقة قبل سنوات، ودائماً كنت أصغي إلى محمد دياب الموسى القديم، محمد دياب الموسى ابن كفر عانة، ومحمد دياب الموسى الشاب الذي حمل بشجاعة فكرة التربية والعلم في النصف الأول من القرن العشرين، ومحمد دياب الموسى الذي امتلأ بروح الشارقة، فازداد إعجاباً بهذه الأبوة الهادئة، الحنونة، الرحيمة، وأفكر بعصاميته وأتعلم منها، وأعلّمها لمن يريد أن يكون اسم علم من البدايات وإلى النهاية.

ترك في نفسي أثر الإنسان النقيّ، بتلك الابتسامة التي لا تفارقه، وبذكاء الإدارة والمعرفة في داخله، وباكتمال نموذجه، وتعدّد مهنيته التي تصلح درساً عملياً لكل من يرتقي بنفسه إلى كبرياء النجوم.

[email protected]