أحمد مصطفى
ربما لم يكن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في شرم الشيخ لوقف الحرب على غزة وبدء إدخال المساعدات الإنسانية مقابل الإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين لدى الفصائل الفلسطينية، ما يتمناه كل مؤيد للحق الفلسطيني. لكنه في النهاية أفضل ما يمكن التوصل إليه، في ظل الأوضاع الحالية، بعد عامين من الحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة، ومقتل عشرات آلاف الفلسطينيين، وإصابة أضعافهم، ونزوح أغلب سكان غزة المتبقين، وهم نحو مليوني إنسان.
أما مسألة ما بعد وقف الحرب، وتسليم سلاح الفصائل، وربما إبعادها عن قطاع غزة، والبدء في عملية إعادة التأهيل لبعض ما دُمِّر، وشكل الحكم الإداري في القطاع بعد ذلك، فهي لم تكن سوى خطوط عريضة في الاتفاق الأخير، على أن يتم التفاوض على تفاصيلها فيما بعد.
لذا، لا يمكن فهم الانتقادات التي تحملها بعض الآراء في الإعلام ومواقع التواصل، للاتفاق الذي تم التوصل إليه، في ضوء خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وجهود الوسطاء من مصر وقطر وتركيا. وكأنما لم يكن البعض يريد أن يتوقف قتل الفلسطينيين، ولا إنهاء تجويعهم وتعطيشهم وتدمير ما تبقى على أرضهم!
من حق البعض ألا يثق بالإسرائيليين والأمريكيين، فهم فعلاً يصعب الثقة في وعودهم وحتى تعهداتهم. لكن ماذا كان لدى هذا «البعض» كبديل لوقف المجازر والحصار على الفلسطينيين؟ لا شيء سوى استمرار حرب الإبادة، وربما الدفع نحو تهجير الفلسطينيين من أرضهم.
قد يكون صحيحاً أن الولايات المتحدة لم تقدم خطتها لصالح الفلسطينيين والعرب، وإنما لإنقاذ إسرائيل من نفسها، بعدما بدأت تتسع رقعة الغضب الشعبي العالمي على ما ترتكبه من جرائم، وتكاد تتطور إلى عزلة دولية لها تشبه ما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا القرن الماضي.
لكن المظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية في مدن الغرب والعالم، وحتى إجراءات بعض الدول ضد إسرائيل، لها حدود. فبعد فترة، سيفقد ذلك الزخم الجماهيري تأثيره، ولعلنا مازلنا نذكر كيف أن المظاهرات المليونية الرافضة لحرب العراق، لم تتمكن من منع غزو واحتلال ذلك البلد العربي وتدميره.
كان من الخطأ الرهان على استمرار تصاعد ذلك التغير في الرأي العام العالمي ومدى زيادة تأثيره. وأصاب من رأى في محاولة واشنطن إنقاذ إسرائيل من نفسها فرصة لوقف الحرب والتدمير، وإنقاذ ما تبقى لسكان غزة المحاصرين. وللمرة الأولى منذ بدء الحرب على غزة قبل عامين، لا يماطل رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو كي يُفشل اتفاق وقف إطلاق النار، أو يقبل به مع ثغرات تجعله يعاود الحرب بسرعة. كذلك لم تتصلب الفصائل في موقفها، وقد فقدت كثيراً من قدراتها من ناحية، ولم تعد تحظى بذلك الحماس الشعبي في غزة، مع استمرار التجويع والقتل.
تزامن انتهاز ترامب للفرصة وسط غضب رأي عام عالمي، وتصاعد مواقف غربية حتى ضد الاحتلال، مع إدراك الفلسطينيين والأطراف العربية المعنية أن هذه الفرصة لوقف الإبادة والتدمير ومنع التهجير قد لا تتكرر. ولا يفيد هنا القول «ماذا لو»، بمعنى لوم هذا الطرف أو ذاك على إهدار فرص سابقة لوقف الحرب وتقليل الخسائر.
مفهوم طبعاً أن هناك من لا يريد خيراً لأحد، حتى لو ادعى علناً غير ذلك. وفي مقدمة هؤلاء تنظيم الإخوان وتابعوه الذين بدأوا على الفور ترويج الشائعات بغرض النيل من الاتفاق الذي يحرمهم ورقة مهمة لانتهازيتهم. وعبر منافذهم الإعلامية وتلك المتعاطفة معهم أطلقوا شائعة الخلاف بين مصر والسعودية والإمارات، ثم استغلوا فرحة المصريين بنجاح المفاوضات لدق إسفين بين مصر وقطر كوسيطين في المفاوضات. إلا أن المصريين، قيادة وأغلبية الشعب، يدركون كل تلك المزالق وخلفيات من يقف وراءها، لذا لم يهتموا أو يلقوا لها بالاً. فالقوى العربية المعنية في الخليج ومصر والأردن متفقة تقريباً على ضرورة وقف الحرب وإغاثة الفلسطينيين، والعمل على تسوية تضمن حقوقهم في النهاية.
بالطبع، هو أمر صحي أن يدور النقاش العقلاني والجاد بشأن اتفاق غزة، وما يليه من خطوات متوقعة. لكن هناك فارق بين أن يكون الهدف هو إنقاذ الشعب الفلسطيني في غزة وغيرها وما تبقى له من وطنه، وبين المزايدات وافتعال الشقاق والخلافات من أجل مكاسب انتهازية لفئة أو فصيل، حتى لو كان ذلك على حساب أرواح ودماء الفلسطينيين في غزة.
بالتأكيد، هناك تشاور وتنسيق ونقاش بين كل تلك العواصم المعنية في الخليج ودول الطوق وغيرها، وتقدير لموقف الأمريكيين والإسرائيليين، وأفضل السبل للحصول على أقصى ما يمكن لصالح الفلسطينيين، باعتبار حل القضية الفلسطينية أولوية أمن قومي إقليمي ولتلك الدول المعنية. لكنه نقاش يختلف عن «فرقعات» الجماعات والتيارات الانتهازية التي لا يعنيها وطن ولا مواطنين.
لعل الأول والأخير هو مئات آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة الذين تنفسوا الصعداء بمجرد الإعلان عن الاتفاق. فهؤلاء هم من «يدهم في النار» وهم مقياس النجاح والفشل لأي خطوة. وهم من يستفيدون من وقف الحرب عليهم، وبدء دخول الأغذية والأدوية والمياه والكهرباء بعد شهور طويلة من الموت جوعاً وعطشاً ومرضاً، ومن لم يصبه القصف مات حرقاً.