د. محمد السعيد إدريس
تثير علاقة الهند بالصين إشكالية نظرية شديدة التعقيد يلخصها السؤال التالي: هل يمكن أن يكون سوء إدراك الدولة لدورها، سواء في بيئتها الإقليمية التي تنتمي إليها أو في سياساتها الدولية، سبباً في تعرضها لانتكاسات في سياستها وعلاقاتها الخارجية، بكل ما يعنيه ذلك من مردود سلبي على أوضاعها الداخلية؟.. السؤال مهم في أي محاولة لفهم الأسباب الكامنة والظاهرة في علاقات الهند بالصين جارتها الكبرى، حيث إن الدور والمكانة عاملان محوريان في إدارة الهند لعلاقاتها وسياستها الخارجية مع قوتين جارتين هما الصين وباكستان، ومع قوتين عالميتين هما الولايات المتحدة وروسيا، خصوصاً بعد أن أضحت منطقة المحيطين الهندي والهادي مركزاً للصراع الإستراتيجى الأمريكي – الصيني، حيث تحرص واشنطن وبكين على جذب نيودلهي إليها كطرف فاعل في مواجهة القوة الأخرى المنافسة من دون اكتراث بأن القرار الهندي أضحى محكوماً بالعديد من العوامل المعقدة والمتشابكة التي تضع الهند في موقف عاجز عن حسم جوهر العلاقة مع هاتين القوتين.
هذه العوامل يمكن تحديدها في أربعة عوامل أساسية هي:
* الإرث الحدودي السلبي بين الهند والصين، حيث تتنازعان على مناطق حدودية عديدة، خاصة في «منطقة التيبت»، ولعل أبرز دليل على ذلك أن الاشتباكات الحدودية بين البلدين التي وقعت عام 2020، أدت إلى شبه قطيعة بين البلدين وفاقمت التوتر بينهما، والزيارة التي قام بها رئيس الحكومة الهندية ناريندرا مودي للصين، لحضور قمة دول «منظمة شنغهاى للتعاون» في مطلع سبتمبر/ أيلول الماضي، كانت هي الزيارة الأولى التي يقوم بها رئيس الحكومة الهندية للصين منذ تلك الاشتباكات. لكن التحول الحقيقي الإيجابي في سياسة الهند مع الصين حدث لأول مرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2024 في اجتماع قمة «مجموعة بريكس»، عندما عقد مودي مع الرئيس الصيني شي جين بينغ اجتماعاً ثنائياً لأول مرة منذ عام 2019، حيث أعلن الطرفان عقب هذا الاجتماع فك ارتباط القوات على الحدود، وكان ذلك خطوة رئيسية على طريق تطبيع العلاقات بين نيودلهي وبكين.
* تنازع الزعامة الإقليمية بين الهند والصين ووقوع الهند أسيرة لطموحات عالية تخص دورها الإقليمي وتطلعها لأن تكون قوة عالمية، وهذا يجعل الهند شديدة الحرص على فرض استقلالية علاقتها مع كل من الصين والولايات المتحدة، والتعامل معهما بوعي شديد الحساسية في التمييز بين التعاون وبين التبعية. فعلى سبيل المثال تتعامل الهند مع الصين بحذر شديد في علاقات التعاون الاقتصادي، وتخشى أن يؤدي المزيد من هذا التعاون إلى مزيد من ربط الاقتصاد الهندي بالاقتصاد الصيني، ومن ثم الوقوع في «شرك التبعية» الذي يهدد طموح الهند للتحول إلى قوة عالمية.
* تطورات العلاقات الأمريكية – الصينية، فالهند تتابع بدقة شديدة مسار تلك العلاقات وترى أن أي تقارب أمريكي مع الصين، أو أي تخفيف لحدة التنافس والمواجهة الأمريكية مع الصين يُعد مؤشراً سلبياً على مصالحها الإقليمية وطموحاتها العالمية، فالتوتر الزائد في علاقات الهند بالولايات المتحدة عقب فرض الرئيس ترامب رسوماً جمركية عالية على الهند بنسبة 50%، لم يكن سببه فقط هو هذه الرسوم الجمركية المرتفعة، بل كان بالأساس بسبب أن الرسوم الجمركية الأمريكية التي فرضت على الصين كانت أقل من نظيرتها التي فرضت على الهند، الأمر الذي اعتبرته الهند مؤشراً لتراجع محتمل في سياسة الاحتواء الأمريكية للصين.
* تطورات العلاقات الصينية مع باكستان، فالهند تتعامل مع باكستان باعتبارها منافساً إقليمياً أساسياً، ومن ثم تعتبر أن أي تقارب صيني مع باكستان سياسة عدائية صينية تجاه الهند، الأمر الذي يفاقم من توتر العلاقات الهندية مع الصين. هذا العامل يُعتبر شديد الأهمية كمحدد رئيسي لعلاقات الهند مع الصين بسبب كثافة علاقات التعاون العسكري والاقتصادي الصيني مع باكستان، والاشتباكات التي وقعت في مايو/ أيار الماضي بين الهند وباكستان، فاقمت من توجسات الهند مع الصين في ظل الدور المهم الذي لعبه السلاح الصيني في تغليب كفة باكستان في هذه الاشتباكات، كما أن تعامل الصين مع باكستان كركيزة أساسية لمشروعها الاستراتيجي الكبير (الحزام والطريق) فاقم من التوجسات الهندية.
هذه العوامل مجتمعة جعلت علاقات الهند مع الصين علاقات تنافسية، وربما صراعية في بعض الأحيان، ولعل هذا ما دفع الهند للدخول في شراكة أمنية مع كل من الولايات المتحدة واليابان وأستراليا (التحالف الأمني الرباعي – كواد)، والتقارب مع الفلبين لمواجهة النفوذ الصيني في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشمالي، لكن الطموح الهندي للتحول إلى قوة عالمية جعل الهند حريصة على ألا تتحول إلى قوة تابعة للولايات المتحدة، وأن تتجه لفتح مجالات جديدة للتعاون يحافظ على الاستقلالية الهندية مع كل من الصين وروسيا عبر الشراكة الثلاثية في «منظمة شنغهاي للتعاون» و«مجموعة بريكس»، ولعل في الصورة التي نشرت لرئيس الحكومة الهندية في قمة شنغهاي الأخيرة، وهو يمسك بيدي الرئيسين الصيني والروسي، ما يؤشر إلى نهج هندي جديد مع الصين.