ثلاث روايات كما لو أنها مولودة من رحم واحدة: «اسم الوردة» للإيطالي أمبرتو إيكو (1980)، و«المخطوط القرمزي» للإسباني أنطونيو غالا (1990)، و«عزازيل» للمصري يوسف زيدان (2008). أديرة، ورهبان، وقتل، وكتب غامضة أو مسمومة في «اسم الوردة»، وكذلك، الجوّ اللّاهوتي، والقتل بلا رحمة وبخاصة مقتل الفيلسوفة هيباتيا في «عزازيل» التي هي بين المذكرات واليوميات، والأمر نفسه مجموعة من المخطوطات يجري العثور عليها في صندوق، وتقوم على هذه المخطوطات رواية «المخطوط القرمزي» التي نجد فيها الكثير ممّا في «عزازيل».
مَن يأخذ مِن مَن في هذه الروايات ذات الصبغة المسيحية، والصراع، والندم، والفردوس المفقود؟ وحتى يوميات أبي عبد الله الصغير في «المخطوط القرمزي» لها خلفية مسيحية في الأندلس التي سقطت آخر مدنها غرناطة في يوم 2 يناير/ كانون الثاني 1492، على يد الملكية الكاثوليكية، وما بعد ذلك من تاريخ ممهور بالدم والدموع في سجل لا يُنسى: محاكم التفتيش.
مرة ثانية، مَن أخذ مِن مَن في بناء هذه الروايات التي تراوح بين التاريخ، والإحباط، والهزيمة، والفشل، ثم القتل على طريقة أسلوب الجريمة المتسلسلة في سينما الغموض؟ زمنياً، ومن حيث أعوام صدور هذه الروايات، تأتي في الأسبقية رواية «اسم الوردة» التي صدرت في عام 1980، وأوجدت ما يشبه الهزّة الأرضية في الرواية الأوروبية، لتتهافت عليها السينما العالمية والترجمات، والإعلام، وبذلك، تحوّل أمبرتو إيكو الأكاديمي المهتم جذرياً بدراسة العلامات على نحو تنظيري «جاف» إلى نجم روائي، ثري بالطبع.
رواية «المخطوط القرمزي»، الأشبه برواية كاتبها أوروبي إسباني ولكن قلمه عربي، صدرت في عام 1990، نقلها إلى العربية رفعت عطفة، ووضع لها مقدمة صغيرة لكن جميلة وأحببنا فيها ما قاله مؤلفها أنطونيو غالا، فهو يرى، كما يذكر المترجم عطفة، أنه كان في العالم سيدة وخادمتان: الثقافة والسياسة والاقتصاد، فاستطاعت الخادمتان أن تسرقا السيدة (الثقافة) لتحلّا محلّها، ويواصل غالا قائلاً: إن مهمتنا نحن المثقفين هي كيف نعيد السيدة إلى مكانتها والخادمتين إلى عملهما.
لا يمكنك إلا أن تفتح ذراعيك وأنت تقرأ «المخطوط القرمزي» وتبتهج بقطرات الشعر في الرواية وقد جعل من غرناطة امرأة. يقول: «لو تقبلين يا غرناطة لتزوجت منك»، وفي مكان آخر يقول: «أضعت ما خفت أن أضيعه، وما انتظرت أن أفوز به، ما عدت أنتظره..».
ولكن، من أين جاء هذا اللون القرمزي للرواية؟ يقول غالا: إن الكتاب الذي عثر عليه ويحوي يوميات أبي عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس كان مجلّداً بغلاف لونه قرمزي، ويقول إن أوراق أمانة الدولة في الحمراء كانت قرمزية.
بقيت «عزازيل» وصدرت في عام 2008، وهي رواية صراع مذهبي بين الرهبان وآباء المؤسسات الكهنوتية، كما هي رواية قتل رهيب شهدته الإسكندرية التي لم يحبّها الراهب هيبا.
كان عزازيل يحث هيبا قائلاً له: اكتب يا هيبا.
أريدك أن تكتب. اكتب كأنك تعترف.
[email protected]