يحيى زكي
يعيش إنسان العصر الراهن من دون إبداع أو تجديد أو ابتكار وربما من دون خيال ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى التنميط المميز للرأسمالية المعولمة والتي استنسخت كل شيء، بداية من المجمعات التجارية وليس نهاية بالمعمار وأساليب البناء وتقسيم الشوارع والميادين.
تعتمد الرأسمالية في شق كبير منها على ثقافة الاستهلاك القائمة في الأصل على فكرة التنميط ولنأخذ مثلاً المجمعات التجارية الكبرى وسنلاحظ أنها كلها متشابهة في كل شيء، من لحظة دخولك وحتى الانتهاء من التسوق، ستمر على المحال التجارية نفسها وستشاهد العلامات التجارية التي تعثر عليها في مختلف المجمعات الأخرى وذلك بخلاف الأسواق التقليدية القديمة التي كانت تتسم بالتنوع وتوجد في أمكنة مختلفة وذات طابع ثقافي محلي مميز.
هذا التنميط نعثر عليه في مفاصل الرأسمالية المختلفة، فالصناعة مثلاً، وهي عصب الرأسمالية وتتسم في هذا النوع من الاقتصاد بالإنتاج الضخم والتركيز على فكرة «العلامات التجارية» ولكننا في العقود الأخيرة بتنا نشاهد كميات غير مسبوقة من تلك العلامات المقلدة، فكل البشر نتيجة لثقافة الدعاية والترويج واحتلال العقول يريدون ارتداء الملابس نفسها.
ما ينطبق على المجمعات التجارية والملابس يصدق على ثقافة الطعام والتي وإن كانت لا تزال تحتفظ ببعض الخصوصية الثقافية، إلا أن انتشار فكرة الوجبات السريعة يرسخ فكرة التنميط، ليس هذا وحسب ولكن طرائق أعداد الطعام في المطاعم الكبرى باتت تُقلد في المنازل، ما يؤكد كيف باتت العولمة تتدخل في تفاصيل حياتنا المختلفة.
كان من المفترض أن تكسر التكنولوجيا الحديثة وتوابعها من مواقع التواصل الاجتماعي حدّة التنميط وهيمنته على العقل والروح ولكننا نجد أن ما حدث هو العكس، فهناك مواقع مثل «x» مثلاً تفرض عدد الكلمات على المستخدمين وكل المواقع تفرض الأسلوب نفسه في التعليق على المواد المنشورة وحتى المشاعر باتت تلخصها علامات «الإيموجي» الباردة والمكررة وإذا ذهبنا إلى مواقع الصور والفيديوهات فسنلاحظ أنها تكرر نفسها وتستنسخ موضوعاتها ومن يرد تحقيق «الترند» فعليه التقليد لا الابتكار والاتباع لا الإبداع، البراعة فقط تكمن في دقة التقليد.
وحتى إذا اقتصرنا في تعاطينا مع تلك المواقع على دور المستخدم أو المتفرج، فلا يمكننا أن نهرب من التكرار، فعندما نشاهد فيديو ما، فإن الموقع يلاحقنا بفيديوهات شبيهة، يفرضها علينا بطريقة مملة وأحياناً فجة.
إذن، الرأسمالية المعولمة تحكم قبضتها علينا بجعلنا بشراً مستنسخين، نكرر سلوكيات بعضنا بعضاً، على مستوى الاستهلاك المادي والنشاط الترفيهي، هذا مع تغييب أي هم فكري وكأننا نعيش في رواية كتبها قطب من أقطاب الخيال العلمي مثل جول فيرن أو هربرت جورج ويلز أو ألدوس هكسلي ولكنها رواية مزعجة وتخلو من الحدث المتصاعد والمشوق أو الواقعة المفاجئة، فكل شيء مكرر ومعتاد ونمطي وبتنا في ظل هذا النظام، شبه الآلي، نفتقد إلى لحظة درامية كان يقوم فيها بطل إحدى تلك الروايات بالتمرد على واقعه الكاذب والزائف سعياً وراء واقع أكثر إنسانية.