يُشكل تأخر النطق عند الصغار إحدى المشكلات التي تربك الوالدين وتجعلهما يشعران بالقلق، وخاصة عندما يبلغ عامه الأول دون التأتأة أو النطق بمفردات بسيطة (بابا، ماما)، وتكون قدرته على الكلام أقل من المستوى الطبيعي لعمره، ويعود ذلك إلى العديد من الأسباب الصحية والمهارات التي تختلف من طفل لآخر، وفي السطور القادمة يسلط الخبراء والاختصاصيون الضوء على أسباب تأخر النطق عند الأطفال وأعراضه وطرق تشخيصه وما هو دور الأب والأم في علاجه.

تقول د.شروتي بونابو، أخصائية طب الأطفال: تطور الكلام عند الصغار هو رحلة طبيعية وتدريجية تختلف من طفل لآخر، وليست سباقاً يجب فيه الوصول إلى مراحل معينة بسرعة، وتبدأ هذه الرحلة عادة من عمر 6 إلى 8 أسابيع، حيث يُصدر الرضيع أصواتاً ناعمة تُعرف بـ«المناغاة» وهي تعبيرات مبكرة عن الراحة أو التفاعل مع المحيط، وبحلول عمر 6 أشهر ينقل لمرحلة الثرثرة بمفردات بسيطة، مثل: «با-با» و«دا-دا»، دون أن تكون هذه الكلمات مقصودة بعد، وعند إتمامه العام الأول تظهر الكلمات الأولى ذات المعنى مثل «ماما» أو «بابا»، وهي بداية التواصل اللفظي الحقيقي.

وتتابع: بين 18 إلى 24 شهراً، تحدث طفرة لغوية حيث يبدأ الطفل باكتساب مفردات جديدة بسرعة، وقد يكون جملاً من كلمتين، وعند سن الثالثة، يصبح أكثر قدرة على استخدام جمل أطول للتعبير عن رغباته ومشاعره، وإن كانت لا تخلو من الأخطاء النحوية، وبحلول عمر 4 إلى 5 سنوات، يتمكن معظم الأطفال من خوض محادثات متكاملة وفهم الأسئلة والرد عليها باستخدام قواعد لغوية سليمة.

وتبين د.شروتي بونابو أن قدرات تطور النطق والكلام لدى الأطفال تختلف من طفل لآخر، ولا تسير جميعها بوتيرة واحدة، فبينما يبدأ بعض الأطفال بالكلام مبكراً ويُظهرون حباً واضحاً للتواصل اللفظي، قد يحتاج آخرون إلى وقت أطول قبل أن يستخدموا الكلمات بشكل فعال، وهناك عدة أسباب تؤثر في سرعة تطور اللغة، من بينها العوامل الوراثية، وسلامة السمع، ومدى تعرض الطفل للغة المحيطة به في المنزل أو الحضانة، إضافة إلى طبيعة شخصيته، فبعضهم يتميزون بطبع أكثر هدوءاً وتأملاً من غيرهم، وندرك أن هذا التفاوت طبيعي.

وتضيف: كل طفل يتطور وفق إيقاعه الخاص، ويمكن أن يتأخر بعض الأطفال قليلاً في هذه المراحل دون وجود مشكلة حقيقية، إلا أن التأخر الملحوظ يتطلب استشارة أخصائي نطق أو طبيب مختص، وفي المقابل، فإن التحفيز اليومي مثل الحديث المستمر مع الطفل، قراءة القصص له، والغناء، تعد من العوامل الأساسية التي تُسهم في تسريع وتيرة تطوره اللغوي وتعزيز قدراته التعبيرية.

تؤكد د.شروتي بونابو على أن الأهل ومقدمي الرعاية لهم دور أساسي في دعم وتطوير مهارات النطق والكلام لدى الصغار، فـأصواتهم هي المعلم الأول والأهم، ويبدأ هذا الدور من الأيام الأولى عبر الحديث المستمر معه، حتى لو لم يفهم الكلمات بعد، فـ«سرد تفاصيل اليوم»، و«قراءة القصص»، و«الغناء»، كلها أنشطة تُثري المفردات وتُعزز التفاعل اللغوي، كما أن الاستجابة بحماس لأصوات الطفل وكلماته الأولى تشجعه على مواصلة المحاولة، وتمنحه شعوراً بالأهمية والإنجاز، وكلما زادت كمية ونوعية المحادثات التي يسمعها في بيئة مليئة بالحب والتفاعل، زادت قدرته على استيعاب اللغة واستخدامها، ولذلك فإن كل كلمة تساهم في بناء دماغه وتطور قدراته اللغوية والعقلية على المدى الطويل.

حالات صحية

يشير د.محمد فيصل، أخصائي طب الأطفال إلى أن تأخر الكلام لدى الأطفال يُعد أمراً شائعاً خلال السنوات الأخيرة، وتشمل الأسباب الرئيسية قلة التفاعلات اللغوية الغنية، وقضاء وقت طويل أمام الشاشات، وقلة التواصل الفعال من قِبل مقدمي الرعاية، بالإضافة إلى بعض العوامل الأخرى مثل: فقدان السمع الطفيف أو المتقطع الذي يؤثر في تطور اللغة، أو تأخر النمو الشامل أو الإعاقة الذهنية، أو الحالات العصبية أو النمائية العصبية، أو اضطراب طيف التوحد أو الشلل الدماغي، التي يمكن أن تؤثر في مهارات اللغة التعبيرية والاستقبالية.

يذكر د.فيصل أن بعض الحالات الصحية تساهم في عدم القدرة على الكلام وصعوبات النطق لدى الأطفال، ومن أبرزها:

- اللسان المربوط وهي حالة خلقية حيث يكون اللسان ملتصقاً بقاع الفم، ما يُعيق حركته.

- الحنك المشقوق أو الشفة الأرنبية، وهي من حالات العيوب الهيكلية في الفم التي تؤثر في إنتاج الكلام.

- عسر الكلام الطفولي، وهو اضطراب عصبي يُؤثر في تخطيط وتنسيق حركية الكلام.

- اضطراب طيف التوحد، وهو اضطراب نمائي يؤثر سلباً في مهارات التواصل واللغة.

- المتلازمات الوراثية، مثل: متلازمة داون أو متلازمة كروموسوم إكس الهش، التي تتسبب في تأخر تطور الكلام واللغة.

ويلفت د.فيصل إلى أن عدم القدرة على الكلام لدى الأطفال يمكن أن يشكل مصدر قلق، وخاصة حالات عدم التلعثم خلال عمر 6-9 شهور، وعدم نطق كلمات مفردة من عمر 16-18 شهراً، وقلة المفردات من عمر 18-24 شهراً، وإذا كان لدى الطفل أقل من 20 كلمة أو لا يجمع الكلمات بعمر سنتين، أو عدم نطق عبارات من كلمتين بعمر 24 شهراً، كما يشير تأخر تطور اللغة إلى الحاجة إلى تقييم، ويُنصح باستشارة أخصائي.

التدخل المبكر

تشير أخصائية النطق واللغة، نفيسة زروقي، إلى أن هناك بعض الدلالات التي توضح حاجة الطفل إلى جلسات تخاطب للقدرة على الكلام، ومن بينها: تأخر المناغاة أو إصدار الأصوات بعد عمر 9 شهور، وعدم الاستجابة للمناداة باسمه من قبل الوالدين أو المحيطين بعد إتمام عامه الأول، وذلك بالرغم من سلامة السمع، كما يعتبر ضعف التواصل البصري من بين الأسباب التي تجعل الطفل يحتاج إلى مساعدة متخصصة، وكذلك تأخر استخدام الكلمات الأاولى (ماما، بابا..) بعد عمر السنة والنصف، أو وجود مشاكل واضحة في النطق والكلام كالتلعثم واللدغات، أو حذف أو استبدال حروف بعد سن الرابعة.

وتضيف: يحتاج الطفل إلى مراجعة أخصائي النطق في أي عمر إذا لاحظ الأهل تأخراً في التواصل أو النطق، وخاصة عند عدم إصدار كلمات أو لا يستجيب للمناداة في السنة الأولى، أو تكون مفرداته قليلة في سن السنتين، وكلامه غير مفهوم أو يجد صعوبة في التعبير عند إتمامه سن الثلاث سنوات، ولذلك يعتبر التدخل المبكر أهم الطرق لحل هذه المشكلة وإيجاد حلول سريعة للحد من تفاقم التأخر في الكلام.

تنصح نفيسة زروقي الوالدين بالتحدث مع الطفل منذ الأيام الأولى بصوت هادئ وواضح وتسمية الأشياء حوله، واستخدام تعابير وجه ونبرة صوت مرحة أثناء الحديث، ومشاركته الغناء وترديد الأصوات التي يصدرها، والإكثار من المناغاة أثناء الأنشطة اليومية مثل الأكل أو الاستحمام، وتخصيص وقت يومي لقراءة القصص المصورة حتى قبل أن يفهم الكلمات، والحد من استعمال الأجهزة الإلكترونية، والتشجيع دائماً على التواصل اللفظي.

وتؤكد نفيسة زروقي على أن التقييم الشامل لمستوى النطق، الكلام والفهم، والانتباه، والسمع تعتبر أول خطوة لتحديد حالة تأخر النطق والكلام، كما يجب وضع خطة فردية مناسبة لعمر الطفل وقدراته من قبل الأخصائي، عن طريق جلسات نطق منتظمة لتطوير النطق والمفردات وبناء الجمل وتحفيز استخدام الكلام في المواقف اليومية، وتوعية الأهل بكيفية تحفيز النطق في المنزل باستخدام اللعب والروتين اليومي، وتعزيز الأنشطة التفاعلية مثل: الألعاب والقصص لتشجيع التواصل الطبيعي، ومتابعة دورية لتقييم التقدم وتعديل الخطة حسب الحاجة، وتجدر الإشارة إلى أن استمرارية التدخل السلوكي وتعاون الأهل يعتبران أهم عوامل العلاج.