هل طال بالقلم هجر الحديث عن هموم الموسيقى في العالم العربي؟ ألا يخشى أن يظن العارفون أنه لا يعرف أهميّة دور هذا الفن في شدائد الأمم؟ إنما النقطة التي يجب تسليط ضوء الفكر عليها، هي أن مشكلات الموسيقى العربية أبعد بكثير من أن تكون موسيقية فقط. إنها مجموعة علل ثقافية متشابكة مترابطة، نحاول هنا تفكيكها لتيسير رؤية أخطار أبعادها، وسلبيات تداعياتها.
الموسيقى العربية نشأت في مجالس الجواري والقيان. هل من برهان فوق موسوعة كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني؟ تلك العلامة المميزة استمرّت سلبيّات صيتها، حتى بعد أوائل أم كلثوم. القيم السلوكية الانضباطية الرفيعة، لدى «كوكب الشرق» وفيروز، صححت الصورة، لكن أساطين موسيقانا لم يستطيعوا، علاج المعضلة العضال، المتمثلة في الطابع الطربي للموسيقى العربية.
رواسب التاريخ جعلت موسيقانا منفصلةً عن الفكر، من غير المستبعد أن يكون 3% من المفكرين العرب، الجابري، أركون، زكي نجيب محمود، جعيط، محمد جابر الأنصاري... قد وضعوا مجرد حجر أساس لبناء فلسفة أو فكر للموسيقى العربية. غلبة الطابع الطربي تعني، من دون قصد التجريح، أن موسيقانا لم تعرف حتى الساعة الموسيقى الصِّرف المستقلة، التي تعبّر عن نفسها بأعمال خاصّة بها. وظلت الموسيقى العربية بلا فكر ولا أفكار. مؤسسات ستالين كانت تعرف حتى ما تعنيه الأفكار الموسيقية في السياسة، التي تكون «مع» أو «ضدّ»، فقد أدركت أن الأعمال السيمفونية للروسي شوستاكوفيتش تشكل معارضة لنظام جوزيف الجبّار.
من رواسب التاريخ أيضاً، أن المطربات والمطربين ظلوا سادة الموسيقى، لأن موسيقانا لها ملحنون للكلمات، وليس لنا تأليف موسيقي. الذين حاولوا التأليف اصطدموا بجدار فولاذي: «لقد أنلتك أذْناً غير صاغيةٍ»، أعمالهم ذهبت صيحات في وادٍ.
الأوضاع الموسيقية اليوم أكثر تعقيداً، لكنه تعقيد مأساوي، فهذا الفن في حقبة متردّية بلا قرار. السمة الغالبة هي فقدان الإحساس بالزمان والمكان والهويّة والواقع. كأن «دعاء الشرق» تعود إلى ألف سنة. في الطب مصطلح «الاخدرار»، أي عدم إحساس الجسم بالألم. حذار تذكّر المتنبي. ألم نقل إن الموسيقى ليست النطيحة الوحيدة، وإلاّ فأين الريادة الشعرية؟ رجاءً لا تزد على هذا، وإلاّ تداعت المجالات كأحجار «الدومينو»، بكل متتاليات التنميات المتعثرة.
لزوم ما يلزم: النتيجة التشاؤليّة: الموسيقى لا تستطيع أن تغيب، ففي النهاية تشدو فيروز مرّة «ها السيارة مش عم تمشي»، وأخرى «لا تندهي ما في حدا».
خواطر شجنية في الموسيقى
19 أكتوبر 2025 00:11 صباحًا
|
آخر تحديث:
19 أكتوبر 00:11 2025
شارك